صعود -اللا-جندرية-: موقع الهويات الجديدة في هيكل السلطة العالمية:

احمد كانون
2026 / 5 / 28

إن طرح مسألة "الجنس الثالث" أو الهويات اللا-جندرية وموقعها من السلطة العالمية في عصر ما بعد ما بعد الحداثة، يمثل اختباراً نموذجياً لمدى كفاءة أدواتنا التحليلية. لقراءة هذه الظاهرة بعيداً عن الاستقطاب والتحيز العاطفي والإيديولوجي، يجب إخضاعها للتفكيك والتجميع؛ لندرك أن المسألة ليست مجرد "إعلان عن النفس"، بل هي تجسيد لتحول استراتيجي في طبيعة القوة ذاتها.
التمرد على الحتمية التكاثرية تاريخياً: تاريخياً، ارتبطت السلطة بالقدرة على التكاثر وتمرير الجينات وإدارة الموارد ضمن إطار "الثنائية الجنسية" (ذكر/أنثى). من هذا المنظور، يمثل ظهور الهويات المغايرة أو "الجنس الثالث" التمرد المطلق على الحتمية البيولوجية. في عصر ما بعد ما بعد الحداثة، لم يعد البقاء أو السيطرة يعتمدان على التكاثر البيولوجي؛ بل على القدرة الإدراكية وإنتاج البيانات. السلطة لم تعد تتطلب استثماراً أبوياً أو أمومياً. هذا الانعتاق من "وظيفة التكاثر" يجعل الأفراد غير المقيدين بالثنائية الجندرية أكثر خفة وقدرة على التكيف المعرفي مع متطلبات العصر الرقمي، لأنهم تجاوزوا العقدة البيولوجية الأساسية التي استهلكت طاقة الإنسان لآلاف السنين.
الجدلية التاريخية وتطور الهوية:
إذا طبقنا الجدلية على تطور الهوية الجنسية في علاقتها بالسلطة، نجد المسار التالي:
الأطروحة (Thesis): النظام الأبوي والثنائية البيولوجية الصارمة (رجل/امرأة) كضرورة لبقاء النوع.
النقيض (Antithesis): عصر ما بعد الحداثة، حيث سادت حركات التفكيك (عبر تطبيق رؤى دريدا في هدم التمركز اللوغوسي والذكوري)، مما أدى إلى تفكيك مفهوم الجنس واعتباره مجرد "أداء اجتماعي".
المركّب (Synthesis) في ما بعد ما بعد الحداثة: دمج الهويات المتعددة في إطار أوسع وهو "ما بعد الإنسانية" (Transhumanism). السلطة العالمية لا تنظر إلى الجنس الثالث كتهديد، بل كطليعة لنموذج إنساني جديد يمهد لتقبل التعديل الجيني والدمج بين البيولوجي والرقمي (Cyborgs)!.
مقاربة فوكو: استيعاب السلطة لا قهرها: هل سيصلون إلى السلطة العالمية كخيار لفرض أنفسهم؟. للإجابة هنا يجب العودة لمفهوم "السياسة الحيوية". السلطة العالمية الحديثة (تكنو-رأسمالية، خوارزميات، شركات عابرة للقارات) تعمل بآلية "الاستيعاب" بدلاً من الإقصاء. الأسرة التقليدية الممتدة (المبنية على الثنائية البيولوجية) كانت دائماً تشكل حائط صد وبنية مقاومة أمام السلطة المركزية. بدعم أو تطبيع هويات خارج هذا الإطار، تتحقق غاية استراتيجية للسلطة: تفكيك الولاءات العائلية والقبلية، ليصبح الفرد "عقدة" معزولة ومستقلة تماماً، مرتبطة مباشرة بالنظام الاستهلاكي والخوارزمي. بالتالي، السلطة العالمية لن "تُقهر" من قِبل هذه الفئات، بل هي التي تستوعبهم وتدفعهم للواجهة لأنهم يمثلون النموذج الاستهلاكي المثالي: فرد غير مقيد بمسؤوليات تكاثرية تقليدية، ومستعد لإعادة ابتكار جسده وهويته باستمرار عبر الاستهلاك الطبي والتقني والثقافي.
الفوضى الظاهرية والنظام الضمني: ما نراه اليوم من صراعات ثقافية، وحروب هوياتية، وجدل سياسي حول الجنس الثالث، يمثل "النظام الظاهر" أو الفوضى الناتجة عن أثر فراشة تحرير الجسد من التكاثر. ولكن، "النظام الضمني" الذي يقبع خلف هذا الصخب هو أن هيكل السلطة العالمي يتحول نحو "اللا-مادية". الهويات المائعة هي الانعكاس المجتمعي لسيولة حركة رأس المال وسلاسة انتقال البيانات. في عالم تحكمه الأكواد البرمجية (التي لا جنس لها)، يصبح الجسد البشري قابلاً لإعادة البرمجة أيضاً.
تجليات الأطروحة: من التجريد الفلسفي إلى واقع الحياة اليومية: لتنزيل هذه البنية التحليلية إلى أرض الواقع، نجد أن هذه "السياسة الحيوية" و"الرأسمالية الخوارزمية" تترجم نفسها يومياً في مسارات ثلاثة:
اقتصادياً (تحويل الهوية إلى استهلاك مستدام): اقتصاديات التعديل الجسدي: بدلاً من إنفاق المدخرات على تأسيس عائلة، يوجه "الفرد السائل" رأس ماله نحو الاستهلاك الطبي المستدام (جراحات، علاجات هرمونية). الجسد لم يعد "معطى بيولوجياً" بل "مشروعاً استثمارياً" دائم التحديث.
تسليع الهويات: قيام الشركات العابرة للقارات بتغيير شعاراتها دورياً لدعم هذه الفئات ليس موقفاً سياسياً، بل استيعاب تسويقي يحول "التمرد" إلى خطوط إنتاج استهلاكية.
اقتصاد الاشتراكات (Sub-script-ion Economy): الفرد المعزول عن شبكات الدعم الأسري يعتمد كلياً على "خدمات الطرف الثالث" (تطبيقات التوصيل، الرعاية الافتراضية)، ليتحول إلى "عقدة اقتصادية" تضخ الأموال باستمرار في شرايين التقنية.
اجتماعياً (تفكيك الشبكات وهندسة العزلة): العمارة الفردانية: صعود شقق "الاستوديو" شديدة الصغر المصممة لأفراد لا يخططون للإنجاب. المساحات العمرانية لم تعد تُبنى للامتداد العائلي، بل لتكديس "أفراد معزولين".
خوارزميات المواعدة: استبدال مؤسسة الزواج بخوارزميات تصنف الأفراد ضمن هويات جندرية دقيقة (Micro-identities)، مما يخلق مجتمعات افتراضية مغلقة تعمق العزلة والارتباط بالتقنية.
بدائل الرعاية البيولوجية: إسقاط غريزة الرعاية على "الحيوانات الأليفة" كبديل آمن عن الأطفال، مما يفرغ طاقة الأبوة/الأمومة في قنوات استهلاكية لا تفرض التزامات كلاسيكية.
سياسياً (الاستيعاب والدمج الخوارزمي): مؤشرات الحوكمة: اشتراط الصناديق الاستثمارية الكبرى تلبية معايير دمج الهويات المغايرة لمنح التمويل. هذا فرمان رأسمالي فوقي يستخدم الهويات كأداة لقياس الامتثال وهيكلة الشركات.
التصنيف البيومتري وإدارة البيانات: إتاحة خيار (الجنس الثالث) في الوثائق الرسمية ليس تنازلاً من السلطة، بل تحديث لقواعد بياناتها ليصبح التمرد "حقل بيانات" قابلاً للقياس والضبط الضريبي والأمني.
احتواء المعارضة (دروع سياسية): تصعيد شخصيات من هذه الهويات لمناصب حساسة واستخدامهم كدروع؛ حيث يتم تحوير أي نقد للسياسات العميقة للسلطة على أنه مجرد "هجوم على هوية" هؤلاء المسؤولين.
الخلاصة والمآل الاستراتيجي: لتلخيص مآل هذه الظاهرة في سياق السلطة العالمية، يمكننا صياغة المعادلة التالية:
(التحرر من الحتمية التكاثرية) + (الفردانية الخوارزمية المتطرفة) = الاندماج الكامل في شبكات القوة (ما بعد البشرية).
النتيجة الاستراتيجية: لن نشهد انقضاضاً من "الجنس الثالث" ككيان سياسي كلاسيكي للسيطرة على السلطة العالمية؛ فالسلطة في عصر ما بعد ما بعد الحداثة لا تُنتزع بالهويات، بل باحتكار التكنولوجيا والبيانات. ما سيحدث هو أن هؤلاء الأفراد سيكونون الأكثر توافقاً مع متطلبات النظام العالمي الجديد. سيتم دمجهم بسلاسة في مراكز القرار وصناعة التكنولوجيا، ليس لأنهم "فرضوا أنفسهم" كجنس ثالث، بل لأن السلطة المعاصرة بطبيعتها أصبحت خوارزمية، عقلانية بحتة، ولا تكترث للبيولوجيا إلا كبنية قابلة للتعديل والتجاوز.
ان الهدف من تفكيك هذه الظاهرة ليس إعلان الاستسلام أمام سلطة الخوارزميات والبيانات، بل تحقيق "اليقظة المعرفية". إن فهم كيفية توظيف السلطة لهوياتنا وصراعاتنا هو الخطوة الأولى لتحرير هذه الهويات من التسليع. التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الصراع بين هويات تقليدية ومستحدثة، بل في قدرة الإنسان —بكل أطيافه— على التمرد على "هندسة العزلة"، واستعادة الروابط البشرية الحقيقية من فك الرأسمالية الرقمية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن