القرآن اساس الدين الجزء15

عصام حافظ الزند
2026 / 5 / 27

(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن
.السُورُالهِجْرِيَّةُ
إِنَّ هِجْرَةَ المُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ (يَثْرِبُ) خُلِقَ وَضْعاً نَوْعِيّاً جَدِيداً سَواءٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدَعْوَةِ نَفْسِها أَوْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْلِمِينَ المُهاجِرِينَ خُصُوصاً ، بَلْ وَأَساساً بِدَوْرِ وَمَهامِّ النَبِيِّ نَفْسِهِ ، فَالدَعْوَةُ اِصْبِحْ أَمامَها فَضاءٌ أَوْسَعُ وَمَهامُّ وَواجِباتٌ تَخْتَلِفُ كَمّاً وَنَوْعاً وَأَدَواتٍ أُخْرَى ، وَالمُهاجِرُونَ وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ أَحْراراً فِي مُمارَسَةِ إِيمانِهِمْ دُونَ خَوْفٍ أَوْ لَوْمٍ أَوْ حِصارٍ أَوْ تُخْفِي، وَإِلَى حَدٍّ ما خَرَجُوا مِنْ شَرْنَقَةِ العَشائِرِيَّةِ وَالعَصَبِيَّةِ وَتَحَوَّلَتْ عَصَبِيَّتُهُمْ مِنْ القَبِيلَةِ إِلَى الدِينِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ أَمّا النَبِيُّ مُحَمَّدٌ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَكْتَفِيَ بِالنُبُوَّةِ وَالدَعْوَةِ ، بَلْ كانَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ رَجُلَ دَوْلَةٍ ، رَسُولٍ وَصاحِبَ دَعْوَةٍ وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ قائِداً وَ" حاكِماً" بِما تَعْنِيهِ مِنْ إِدارَةِ وَعَمَلِ "دبلوماسِيٍّ" مِن أَجْلٍ لَيْسَ التَعايُشَ مَعَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ وَحَسْبُ بَلْ وَمُحاوَلَةِ كَسْبِهِمْ، كانَ عَلَيْهِ إِدارَةُ شُؤُونِ الحَياةِ فِي كافَّةِ جَوانِبِها ، كُلُّ تِلْكَ التَغَيُّراتِ كانَتْ تَتَطَلَّبُ تَغَيُّراً فِي الخِطابِ الدِينِيِّ سَواءٌ مِنْ حَيْثُ المُحْتَوَى أَوْ الاسْلُوبٍ، مُسْتَفِيداً مِنْ الخِبْراتِ الَّتِي اِكْتَسَبَها خِلالَ الأَعْوامِ السابِقَةِ (ثَلاثَةَ عَشَرَ عاماً تَزِيدُ، أَوْ تَقِلُّ) وَكانَتْ مَعْلُوماتٌ وَتَجارِبُ مُهِمَّةً وَثَمِينَةً عَلَى الرَغْمِ مِنْ الاِخْتِلافِ النَوْعِيِّ بَيْنَ المُرَحْلِتينَ وَالَّذِي أَشَرْنا إِلَيْهِ بِاِخْتِصارٍ شَدِيدٍ ، وَكَذٰلِكَ لا نَنْسَى أَنَّ مَنْ هاجَرَ مَعَهُ( وَأَغْلَبُ الرِواياتِ تُحَدِّدُهُمْ بِحُدُودِ الثَمانِينَ شَخْصاً) وَلٰكِنَّهُمْ صَحابَةٌ حَقِيقِيِّينَ وَرُبَّما ذُو مُواصَفاتٍ خاصَّةٍ تَحَمَّلُوا ما تَحَمَّلُوا مِنْ أَجْلِ إِيمانِهِمْ، وَكانُوا قِلَّةً ضَعِيفَةً أَمامَ عَدُوٍّ كَبِيرٍ وَشَرِسٍ وَمُسَيْطِرٍ حاوَلَ أَنْ يَقْمَعَهُمْ قَدْرَ ما أَمْكَنَ، وَلَعَلَّ بَعْضَ قِيَمِ البَداوَةِ (وَأَساسِها العَصَبِيَّةِ) وَالتَوازُناتِ القَبَلِيَّةِ هِيَ الَّتِي وَفَّرَتْ بَعْضَ تِلْكَ الحِمايَةِ، ناهِيكَ عَنْ حَقِيقَةِ أَنَّ أَنْصارَهُ فِي مَكانَهِ الجَدِيدَ، لَمْ يَكُونُوا أَغْلَبِيَّةً وَلَمْ يَكُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنْ الصِراعاتِ الدَمَوِيَّةِ فِيما بَيْنَهُمْ، فَقَدْ كانَ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ فِي صِراعٍ دَمَوِيٍّ مُسْتَمِرٍّ، وَلَمْ تَكُنْ مَعْرَكَةَ بُعاثٍ بِحاسِمَةٍ بِالنِسْبَةِ لِلأَوْسِ، بَلْ كانَ الخَزْرَجُ وَالَّذِينَ كانَ عَدَدُهُمْ الأَكْبَرُ وَلَدَيْهِمْ زُعَماؤُهُمْ وَبِالأَخَصِّ عَبْدِ اللّٰهِ بْنِ أَبِي، وَالَّذِي قِيلَ أَنَّهُ أَسْلَمَ نِفاقاً بَعْدَ أَنْ وَجَدَ أَنَّ كَثِيراً مِنْ الخَزْرَجِ اِتَّبَعُوا مُحَمَّداً ، لَقَدْ أَشَرْنا سابِقاً إِلَى أَنَّ مُوافَقَةَ مَجْمُوعَةٍ مِنْ أَهالِي يُثْرِبُ عَلَى لِقاءِ مُحَمَّدٍ فِي العَقَبَةِ عِنْدَما جاءُوا لِزِيارَتِهِمْ إِلَى الكَعْبَةِ، وَاِتَّفَقُوا عَلَى اللِقاءِ السَنَّةِ التالِيَةَ وَتَحَقَّقَ بِحُضُورِ 53 شَخْصاً مِنْ الخَزْرَجِ وَفَقَطْ 8 أَشْخاصٍ مِنْ الأَوْسِ، (يَقُولُ نُوَلِّدُكَهُ "لَوْ لَمْ تَكُنْ قَبائِلُهُمْ المُخْتَلِفَةُ قَدْ اِنْشَقَّتْ إِلَى مُعَسْكَرَيْنِ بِسَبَبِ الصِراعِ الَّذِي دارَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، لَما اِسْتَطاعَ مُحَمَّدٌ أَنْ يُخْضِعَها الواحِدَةَ تِلْوَ الأُخْرَى" ( تَأْرِيخُ القُرْآنِ ص 153)، وَجَرَتْ مُباحَثاتٌ كُتِبَ عَنْها الكَثِيرُ، وَنَسْتَنْتِجُ أَنَّها كانَتْ سِياسِيَّةً وَدِينِيَّةً وَاِقْتِصادِيَّةً، وَرُبَّما الغَرِيبُ فِيها أَنَّ المُتَخاصِمِينَ الأَوْسَ وَالخَزْرَجَ قَبِلُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ طَرَفٌ ثالِثٌ، وَرُبَّما كانَ ذٰلِكَ المَوْقِفُ أَصْعَبَ عَلَى مُحَمَّدٍ نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمّا كانَ عَلَى أَهْلِ يَثْرِبَ، فَكَيْفَ لَهُ أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ كُلِّ تِلْكَ المَصالِحِ المُتَضارِبَةِ وَالمُتَصارِعَةِ ،بَلْ وَالمُعادِيَةِ أَحْياناً خاصَّةً وَأَنَّهُ وَبِمُهاجِرِيهِ وَأَنْصارِهِ قِلَّةً أَمامَ تِلْكَ التَجَمُّعاتِ، وَطَبْعاً فَإِنَّ هُناكَ عِدَّةَ عَوامِلَ يُمْكِنُ أَنْ تُساقَ فِي تَكَلُّلِ تِلْكَ المُباحَثاتِ بِالنَجاحِ، لَعَلَّ أَوَّلَها التَخَوُّفُ مِنْ قِبَلِ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ مِنْ السَطْوَةِ وَالسُلْطَةِ وَالمَكانَةِ الَيَهُودِيَّةٌ أَساساً وَرُبَّما النَصْرانِيَّةِ فِي يَثْرِبَ وَضَواحِيها، خاصَّةً وَأَنَّنا نَعْرِفُ أَنَّ زِيادَةَ العَدَدِ مِنْ المُحارِبِينَ كانَ مُهِمّاً بِالنِسْبَةِ لِلقَبائِلِ وَأَكْثَرِ القَبائِلِ سَطْوَةً فِي الغالِبِ هِيَ الَّتِي تُمَتلِكَ عَدَداً أَكْبَرَ مِنْ الرِجالِ، وَمِنْ ناحِيَةٍ أُخْرَى وَلِوُجُودِ اِتِّباعٍ الَيْهُودِيَّةٍ وَالنَصْرانِيَّةِ بِكَثْرَةٍ فِي يَثْرِبَ وَضَواحِيها وَهُمْ مِنْ أَصْحابِ الكِتابِ، مَكَّنَ هٰذِهِ القَبائِلُ أَنْ تَفْهَمَ ما يَدْعُوا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَأَنْ تَتَعَرَّفَ عَلَى الدَعْوَةِ الجَدِيدَةِ وَأُسُسِها وَبَعْضِ المَعْلُوماتِ التارِيخِيَّةِ عَنْها أَكْثَرَ مِمّا كانَ مُتاحاً لِأَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ أَنَّ غالِبِيَّةَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ مُزارِعُونَ، أَوْ يَعْمَلُونَ مُزارِعِينَ إِجْراءً فِي حُقُولِ الِيْهُود ، فِي حِينِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كانُوا مِنْ التُجّارِ، وَمِنْ المُنْتَفِعِينَ مِنْ أَصْنامِ الكَعْبَةِ عِنْدَ زِيارَةِ القَبائِلِ لَها، كَما أَنَّ قِياداتِهِمْ عَلَى الأَقَلِّ كانَتْ تَعْتَبِرُ نَفْسَها مِنْ الأَسْيادِ لِما لِخِدْمَةِ الأَصْنامِ وَالحَجِيجِ مِنْ شَرَفٍ رَفِيعٍ، وَبِذٰلِكَ شَعَرُوا بِالخَطَرِ عَلَى مَصالِحِهِمْ مِنْ الدِينِ الجَدِيدِ خاصَّةً وَأَنَّ أُولَى دَعَواتِهِ كانَتْ إِلَى نَبْذِ الأَصْنامِ، وَقَدْ أَشَرْنا أَيْضاً سابِقاً أَنَّهُ وَبِتَقَدُّيرِنا أَنَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُحَمَّدٍ مِنْ الرِجالِ ذَوِي الإِمْكاناتِ المالِيَّةِ الكَبِيرَةِ؛ مِمّا كانَ يُعْطِي الدَفْعَةَ لِلأَوْسِ وَالخَزْرَجِ وَالَّذِينَ كانُوا فِي الغالِبِ مِنْ الفُقَراءِ.
وَهٰكَذا نَرَى أَنَّ حَبْلَ الدِينِ (القُرْآنَ) كانَ يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ ذٰلِكَ بِنَظَرِ الاِعْتِبارِ، فَقَدْ كانَ مَنُوطٌ بِهِ أَنْ يُوَفِّرَ كَما يَقُولُ نُولْدكَة أَنْ يُسُنَّ دُسْتُورٌ جَدِيداً لِهٰذِهِ الدَوْلَةِ الَّتِي يُرادُ إِنْشاؤُها، وَإِدارَتُها وَقِيادَتُها نَحْوَ المَزِيدِ مِنْ الاِرْتِقاءِ. عَلَى أَنَّنا يَجِبُ أَنْ نَنْظُرَ بِمَوْضُوعِيَّةٍ إِلَى الوَضْعِ الَّذِي كانَ قائِماً، أَوْ يُفْتَرَضَ بِهِ أَنْ يَكُونَ قائِماً آنَذاكَ. فِي مَكَّةَ كانَ مُؤْمِنُونَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ (مُسْلِمِينَ) وَكانَ هُناكَ مُشْرِكُونَ (المُسْلِمِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ حَقّاً؛ لِأَنَّهُ إِيمانُهُمْ ذاكَ كَلَّفَهُمْ الخُرُوجَ عَلَى مَذْهَبِ قَوْمِهِمْ، وَصَمَدُوا تِجاهَ ما لاقُوْهُ لَدَيْهِمْ عَلَى رَدِّهِ مِنْ المُشْرِكِينَ، أَمّا فِي المَدِينَةِ، فَقَدْ ظَهَرَتْ فِئَةٌ جَدِيدَةٌ مِنْ المُسْلِمِينَ، بَعْضُ مَنْ قَبِلُوا بِالإِسْلامِ لِأَسْبابٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يُؤْمِنُوا حَقّاً كانُوا مُنافِقِينَ يَرْغَبُونَ فِي الحُصُولِ عَلَى المَزايا المُتَوَقَّعَةِ، لٰكِنَّهُمْ لا يَسْعَوْا إِلَى تَنْفِيذِ شُرُوطِ الإِيمانِ، هٰذا إِضافَةٌ إِلَى اِعْتِقادِنا بِأَنَّ الغالِبِيَّةَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُوا شَيْئاً عَنْ الآياتِ المَكِّيَّةِ، حَتَّى مِنْ ضِمْنِ المُهاجِرِينَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الكَثِيرَ مِنْ الآياتِ المَكِّيَّةِ فَالحَياةُ فِي البِدايَةِ كانَتْ سِرِّيَّةً، وَمِنْ ثَمَّةَ كانَتْ الحَياةُ فِي بَحْرِ المُشْرِكِينَ صَعْبَةً عِلاوَةً عَلَى أَنَّ الغالِبِيَّةَ كانَتْ أُمِّيَّةً وَكانَ النَقْلُ شَفَوِيّاً، (حَتَّى غالِبِيَّةُ مُسْلِمِي اليَوْمِ لا يَعْرِفُونَ إِلّا النَزْرَ القَلِيلَ مِنْ الآياتِ وَالتَعالِيمِ عَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّ القُرْآنَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ بَيْتٍ، وَفِي كُلِّ مَكانٍ وَفِي وَسائِلِ الإِعْلامِ ، فَكَيْفَ الأَمْرُ قَدِيماً أَنَّ مَنْ يَتَصَوَّرُ غَيْرَ ذٰلِكَ إِنَّما يُخادِعُ نَفْسَهُ، فَكَيْفَ الأَمْرُ بِأَهْلِ المَدِينَةِ، لَقَدْ قَبِلَ الكَثِيرُ مِنْهُم الإِسْلامَ بِشُرُوطِهِ هُوَ لا شُرُوطَ الإِسْلامِ، بَلْ وَقِيلَ طَمَعاً فِي الغَنِيمَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَزايَدُ بِفِعْلِ الغَزَواتِ وَالاِسْتِيلاءِ عَلَى القَوافِلِ المارَّةِ. وَالمهْاجِرِينَ بَدَأُوا بِالغَزَواتِ مِنْ أَجْلِ اِسْتِرْدادِ ما فَقَدُوهُ فِي مَكَّةَ، وَهٰذا ما قالَهُ أَكْثَرُ مِنْ مُؤَرِّخٍ قَدِيمٍ.
وَفِي رُوحِ تِلْكَ المَرْحَلَةِ وَتَذْكِيراً بِأَحْوالِها نَزَلَت بَعْضُ الآياتِ {وَاعْتَصَمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعَمْتَ اللّٰهُ عَلَيْكُم إِذْ كُنتُم أعِداءِ فَأَلِفْ بَيْنَ قُلُوبِكُم فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ اخُونا وَكُنْتُم عَلَى شَفا حُفْرَةٍۢ مِن النارِ فَأَنْقِذْكُم مِنها ۗ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُم ءايَتَهُۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)} (89/ 3 سُورَةً آلِ عمران هِجْرِيَّةً عَدَدُ الآياتِ 200 الْآيَةِ 103)
وَكَذٰلِكَ {لا إِكْراهَ فِى الدِينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُشْدُ مِنْ الغَى ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَغُوتِ وَيُؤْمِنُۢ بِاللّٰهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بالعروة الوَثْقَى لا انْفِصامَ لَها ۗ وَاللّٰهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)} (87/ 2 سُورَةُ البَقْرَةَهْجَرِيَّةِ عَدَدُ الآياتِ 286 إِلْآيَةُ 256)
وَحَسْبَما يَقُولُ نُوَلِّدُكَهُ فَإِنَّ النَبِيَّ وَالقُرْآنَ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلنَصارَى إِلّا نادِراً وَلَمْ يَصْطَدِمْ بِهِمْ إِلّا فِي سِنِيهِ الأَخِيرَةِ، فِي حِينِ كانَ الأَمْرُ غَيْرَ ذٰلِكَ تُجاهَ إِلِيهُود فَقَدْ عامَلَهُمْ بِحِدَّةٍ أَكْبَرَ وَاِقْسَى، يَنْظُرُ إِلَى أَحْداثِ التَهْجِيرِ وَالاِغْتِيالِ وَالقَتْلِ الَّتِي تَحَدَّثُنا فِي فَصْلِ مُحَمْدِ بْنَ عَبْدِ اللّٰه.
وَيَتَحَدَّثُ نُوَلِدُكَهُ أَيْضاً عَن الطابَعِ التَشْرِيعِيِّ لِآياتِ القُرْآنِ الهِجْرِيَّةِ، وَكُنّا قَدْ تَحَدَّثْنا عَنْها فِي خَصائِصِ السُورِ الهِجْرِيَّةِ، كَما بُودْنا هُنا الإِشارَةُ إِلَى التَشْخِيصِ الَّذِي أَدْلَى بِهِ مَحْمُود مُحَمَّد طٰهٰ وَالمُتَعَلِّقُ بِاِخْتِلافِ المُخاطَبِ فِي السُورِ الهِجْرِيَّةِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الآياتِ فِي السُوَرِ الهِجْرِيَّةِ يَخْتَلِفُ عَلَى تَأْرِيخِ نُزُولِها، أَوْ إِلَى أَيِّ السُورِ تَنْتَمِي، بَلْ إِنَّ بَعْضَ الآياتِ وُفِّقَ بِبَعْضِ الفُقَهاءِ أَوْ المُفَسِّرِينَ تَنْتَمِي إِلَى الفَتْرَةِ المَكِّيَّةِ كَما يَقُولُ نُوَلِّدَكَهُ "سُورَةُ البَيِّنَةِ 98 تَعْتَبِرُها الغالِبِيَّةُ هِجْرِيَّةً، فِيما تَعْتَبِرُها القِلَّةُ مَكِّيَّةً (الزَمَخْشَرِي؛ البِيضْأَوِيُّ ) بِسَبَبِ وُقُوعِها بَيْنَ سُوَرٍ مَكِّيَّةٍ قَدِيمَةٍ" وَسُورَةُ التَغابُنِ تُشْبِهُ السُورَ المَكِّيَّةَ وَلِهٰذا السَبَبِ تُعَدُّ مِنْها، وَلٰكِنَّ الْآيَةً 14هْجَرِيَّةً بِلا رَيْبٍ، حَتَّى لَوْ اِسْتَحالَ تَحْدِيدُ زَمَنِ نُشُوئِها بِدِقَّةٍ، كَذٰلِكَ الآياتُ 11-13 هِجْرِيَّةً عَلَى الأَرْجَحِ... وَأَعْتَقِدُ أَنَّ هٰذا يَصِحُّ بِالإِجْمالِ عَلَى كُلِّ المَسْبَحاتِ، أَيْ السُورِ الَّتِي تَبْدَأُ بِ(سَبْحٍ) أَوْ (يَسْبَحُ)، وَهِيَ سُورَةُ الحَدِيدِ وَسُورَةُ الحَشْرِ وَسُورَةُ الصَفِّ وَسُورَةُ الجُمْعَةِ وَسُورَةُ التَغابُنِ" (تَأْرِيخُ القُرْآنِ ص 166-167)
هُناكَ الكَثِيرُ مِن المَعْلُوماتِ وَالتَفْسِيراتِ الَّتِي يُثِيرُها نولْدَكَةٌ فِي دِراسَتِهِ لِلآياتِ القُرْآنِيَّةِ لَمْ نَسْتَطِعْ مُتابَعَتَها سابِقاً لَسْعَةَ تِلْكَ المَوْضُوعاتِ وَتَفْصِيلاتِها وَتَشَعُّبَها،( وسبق وأن أشرنا) مِنْها مَثَلاً قَوْلَهُ" سُورَةُ الفَتْحِ48 نَشَأَتْ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ (فِي شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ مِنْ السَنَةِ السادِسَةِ) لٰكِنَّ الآياتِ 1-17 فَقَطْ نَشَأَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ وَجِيزَةٍ مِنْ إِبْرامِ المُعاهَدَةِ، رُبَّما قَبْلَ عَوْدَةِ مُحَمَّدٍ إِلَى المَدِينَةِ، وَهٰذا ما يَدَّعِيهِ كَثِيرُونَ لِلسُورَةِ كُلِّها .وَتُبْدِي لَنا هٰذِهِ الآياتُ بِصُورَةٍ جَلِيَّةٍ أَكْثَرَ مِنْ رِواياتِ المُؤَرِّخِينَ أَنَّ مُحَمَّداً نَوَى آنَذاكَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَأَنَّ حُلَفاءَهُ البَدْوَ خَيَّبُوا رَجاءَهُ – وَقَدْ مَكَّنَتْهُ كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ مِنْ الاِسْتِيلاءِ عَلَى المَدِينَةِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ دُونِ قِتالٍ تَقْرِيباً. لِهٰذا السَبَبِ تَخَلَّى وَقْتَئِذٍ عَنْ خُطَّةِ دُخُولِ المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ عَنْوَةً وَعَقْدٍ مَعَ القُرْشِيِّينَ اِتِّفاقاً، ضُمِنَ لَهُ، إِضافَةً إِلَى فَوائِدَ أُخْرَى، تَأْدِيَةِ الحَجِّ فِي العامِ التالِي مِنْ دُونِ عَراقِيلَ، وَقَدْ أَظْهَرَتْ النِهايَةُ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْها الأَحْداثُ، أَنَّ هٰذا السَلامَ كانَ بِالفِعْلِ نَجاحاً سِياسِيّاً هائِلاً وَنَصْراً حَقِيقِيّاً لِمُحَمَّدٍ" (تَأْرِيخُ القُرْآنِ ص 194)
وَفِي فِقْرَةٍ أَخِيرَةٍ مِنْ هٰذا الجُزْءِ رَقْمُ قَصْرِها، إِلّا أَنَّها مُهِمَّةٌ وَقَلَّما يَتَناوَلُها الفَقهاءُ أَوْ المُفَسِّرُونَ أَوْ المُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ وَخاصَّةً مِنْهُمْ الحَدِيثِينَ إِلّا وَهِيَ الَّتِي تَنْبُعُ مِنْ التَساؤُلِ هَلْ أَنَّ ما بَيَّنَ لَدَيْنا مِنْ القُرْآنِ هُوَ كُلُّ ما أَنْزَلَ أَمْ أَنَّ هُناكَ مِنْ الآياتِ الَّتِي لَمْ تُدْرَجْ فِي القُرْآنِ أَصْلاً، أَوْ أَنَّها اُعْتُبِرَتْ مِنْ الأَحادِيثِ النَبَوِيَّةِ. فَقَدْ تَناوَلَها نولدكَة تَحْتَ عُنْوانِ ( ما لا يَتَضَمَّنُهُ القُرْآنُ مِمّا أُوحِيَ إِلَى مُحَمَّدٍ ، فَيُذْكَرُ عَلَى سَبِيلِ المِثالِ [لَوْ كانَ لِاِبْنِ آدَمَ وادٍ لَاِبْتَغَى إِلَيْهِ ثانِياً، وَلَوْ أُعْطِيَ إِلَيْهِ ثانِياً لَاِبْتَغَى إِلَيْهِ ثالِثاً وَلا يَمْلَأُ جَوْفٌ بْنُ آدَمَ... الخَ] لٰكِنَّها فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ تَرُدُّ هٰكَذا [حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَعِيدَ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ "قالَ يَحْيَى أَخْبَرْنا وَقالَ الآخَرانِ: حَدَّثْنا أَبا عَوانَةَ" عَنْ قَتادَةٍ مِنْ أُنْسٍ، قالَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ :" لَوْ كانَ لِاِبْنِ آدَمَ وادِيانٍ مِنْ مالٍ لَاِبْتَغَى وادِياً ثالِثاً، وَلا يَمْلَأُ جَوْفُ اِبْنِ آدَمَ إِلّا التُرابَ، وَيَتُوبُ اللّٰهُ عَلَى مَنْ تابَ"] ثُمَّ يُكْمِلُ فِي فِقْرَةٍ أُخْرَى2416 وَحَدَّثَنا اِبْنُ المُثَنَّى وَاِبْنُ بَشّارٍ، قالَ اِبْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرْنا شُعْبَةً قالَ: سَمِعْتُ قَتّادَةً يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّٰهِ ﷺ يَقُولُ (فَلا أَدْرِي أَشَيْءٌ أَنْزِلُ أَمْ شَيْءٌ كانَ يَقُولُهُ)، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوانَةَ] (التَفْصِيلاتِ وَالتَحَقُّقِ مِنْ قِبَلِنا، صَحِيحٌ مُسْلِمٌ كِتّابُ الزَكاةِ 40 بابٌ لَوْ أَنَّ لِاِبْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ لَاِبْتَغَى ثالِثاً أَرْقامَ 241 ذ5 -116-(1048) ، 2416 وَيُكْمِلُ فِي فَقَراتٍ وَأَرْقامٍ أُخْرَى فِي نَفْسِ السِياقِ ص365) وَيَأْتِي بِبَعْضِ الأَمْثِلَةِ عَلَى أَحادِيثَ قَدْ تَكُونُ آياتٍ أَوْ جُزْءٌ مِنْ آياتٍ وَلٰكِنْ اِلْتَبَسَ الأَمْرُ عَلَى الرُواةِ وَالمُفَسِّرِينَ خاصَّةً وَأَنَّ بَعْضَ تِلْكَ تَشابَهَ لُغَةَ القُرْآنِ أَوْ أَنَّ مُشابِهَةً لَها وَرْدٌ فِي بَعْضِ الآياتِ.
وَفِي هٰذا الأَمْرِ يُناقِشُ وَيَأْتِي بِآراءِ مُخْتَلِفِ الفُقَهاءِ وَالمُفَسِّرِينَ مِن اِبْنِ هِشام وَالسُهَيْلِي وَالقُسْطَلَأِنِي وَالسُيُوطِي وَعَلاءِ الدِينِ الهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ الكَثِيرِ، فِي مَوْقِعِ هٰذِهِ الْآيَةٍ فِي أَيٍّ مِنْ السُورِ وَمَتَى، أَوْ هَلْ أَنَّها مِنْ القُرْآنِ امْ أَنَّها حَدِيثٌ نَبَوِيٌّ إِلَى آخِرِهِ مِنْ الآراءِ، وَنَظَراً لِدِقَّةِ هٰذا الأَمْرِ وَصُعُوبَةِ تَلْخِيصِ أَفْكارِهِ وَخَوْفاً مِنْ الوُقُوعِ فِي الخَطَأِ نَنْقُلُ إِحْدَى الفَقَراتِ الَّتِي تَحَدَّثُ عَنْها نوَلْدَكَةٌ بِنَصِّها (رَغْمَ طُولِهِ) مَعَ الإِشارَةِ فَقَطْ إِلَى الهَوامِشِ المُفَصَّلَةِ أَيْضاً، وَالَّتِي نُحِيلُ القارِئَ إِلَى العَوْدَةِ إِلَيْها:
". نالَتْ الِآيَةُ المَدْعُوَّةِ آيَةَ الرَجْمِ (وَهِيَ طَبْعاً غَيْرُ مَوْجُودِهِ فِي القُرْآنِ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينا) شُهْرَةٌ كَبِيرَةٌ، وَقَدْ اِعْتَبَرَها عُمَرُ بِحَسَبِ كَثِيرٍ مِنْ الرِواياتِ جُزْءاً مِنْ القُرْآنِ " لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكُمْ، فَإِنَّهُ كَفَرَ بِكُمِّ الشَيْخِ وَالشَيْخَةِ إِذا زُنْيا، فَاُرْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكالاً مِنْ اللّٰهِ وَاللّٰهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " لا تَذْكُرْ غالِبِيَّةَ المُفَسِّرِينَ شَيْئاً آخَرَ عَنْ هٰذا النَصِّ، إِلّا أَنَّ الِآيَةَ تُعَدٌّ مِنْ المَنْسُوخاتِ. (القُرْطُبِيُّ "المَبانِي"4؛ النِيسابُورِيُّ؛ الطَبَرِيُّ 1،1821؛ الزَمَخْشَرِيُّ؛ النَسْفِيُّ؛" الإِتْقانُ" (أ) وَ"كَنْزُ العُمّالِ"، المُجَلَّدُ الأَوَّلُ، رَقْمُ 4751،) يُورِّدُونَ عَنْ عائِشَةَ وَأَبِي أَنَّ إِلْآيَةً كانَتْ مَوْجُودَةً فِي سُورَةِ الأَحْزابِ. وَهٰذا مُسْتَحِيلٌ فَالآيَةُ تَنْتَهِي بِواوٍ وَنُونٍ فِيما أَنَّ السُورَةَ مُسَجَّعَةٌ عَلَى الأَلْفِ. وَبِحَسَبِ رِوايَةٍ أُخْرَى كانَتْ الِآيَةً مَوْجُودَةً أَصْلاً فِي سُورَةِ النُورِ24 هٰذِهِ السُورَةَ مُناسِبَةٌ أَكْثَرَ لِهٰذا الغَرَضِ، لَيْسَ فَقَطْ لِأَنَّ فاصِلَتَها تَتَّفِقُ وَفاصِلَةَ النَصِّ، بَلْ أَيْضاً لِأَنَّها تَتَناوَلُ مَوْضُوعَ زِنَى الرِجالِ وَالنِساءِ فَقَطْ. لٰكِنَّ الِآيَةَ 2 الَّتِي تُثْبِتُ لِهٰذِهِ الخَطِيئَةِ عُقُوبَةَ الرَجْمِ مِنْ دُونِ أَيِّ اِسْتِثْناءٍ تَتَعارَضُ وَآيَةَ الرَجْمِ. لِذا السَبَبُ لا بُدَّ مِنْ الاِفْتِراضِ مِنْ آيَةِ الرَجْمِ رَفَعَتْ فِعْلاً بِالآيَةِ 2 {الزانِيَةِ وَالزانِي، فَاِجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِئَةَ جَلْدَةٍ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَاليَوْمِ الآخَرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةً مِن المُؤْمِنِينَ (2)} (102/24 سُورَةَ النُورِ هِجْرِيَّةً عَدَدُ الآياتِ 64 إِلآيَةً 2 مَنْطُوقِ إِلْآيَةٍ وَضَعْناهُ نَحْنُ مِنْ القُرْآنِ لِلتَوْضِيحِ) ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلا يَتَّفِقُ وَتَطَوَّرَ قانُونُ العُقُوباتِ الإِسْلامِيِّ. وَإِذا صَحَّ أَنَّ مُحَمَّداً حَكَمَ أَثْناءَ إِقامَتِهِ بِالمَدِينَةِ عَلَى زُناةٍ بِالمَوْتِ رَجْماً، فَلا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ أَنَّ آيَةً تَتَناوَلُ هٰذا الأَمْرَ نُسْخَةً أَوْ ضاعَتْ. إِزاءَ عَجْزِنا عَنْ التَأَكُّدِ مِنْ مِصْداقِيَّةِ هٰذِهِ الرِواياتِ، عَلَيْنا أَنْ نَعْتَبِرَ أَنَّ عُقُوبَةَ الرَجْمِ كانَتْ تُمارِسُ بِالفِعْلِ أَثْناءَ حُكْمِ الخُلَفاءِ الأَوَّلِ، كَما هِيَ تَدْرُسُ حَتَّى اليَوْمِ فِي كُتُبِ الشَرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ. بِحَسَبِ مُعْظَمِ الرِواياتِ، لَفَتَ عُمْرُ نَظَرِ أَهْلِ المَدِينَةِ إِلَى هٰذا الشَرْعِ القاسِي: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللّٰهِ رَجْمَ، وَرَجَمَنا بَعْدَهُ. وَلَوْلا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَّهِمَنِي الناسُ بِأَنِّي أَزِيدُ فِي كِتابِ اللّٰهِ لَكُتِبَتْ آيَةَ الرَجْمِ فِي المُصْحَفِ. وَكُنّا نَقْرَأُها" يَتَوَلَّدُ عَنْ الكَلِماتِ المَذْكُورَةِ الاِنْطِباعُ أَنَّ اِدِّعاءَ الأَصْلِ الإِلٰهِيِّ لِهٰذِهِ الِآيَةٌ لَيْسَ إِلّا وَسِيلَةً لِتَنْفِيذِ الشَرْعِ. وَبِما أَنَّ رَجْمَ الزُناةِ مِنْ الرِجالِ وَالنِساءِ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفاً لَدَى العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلامِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُقُوباتٌ ثابِتَةٌ، فَلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هٰذِهِ العُقُوبَةُ فُرِضَت فِي الإِسْلامِ اِتِّباعاً لِما يَفْرِضُهُ الشَرْعُ إِليَهُودِي فِي حالاتٍ مُماثِلَةٍ (تَثْنِيَةِ الاشتراع 22:21،24) .[21:22 يَخْرُجُونَ الفَتاةَ إِلَى بابِ أَبِيها، وَيَرْجُمُها رِجالُ مَدِينَتِها بِالحِجارَةِ، حَتَّى تَمُوتَ لِأَنَّها عَمِلَتْ قَباحَةً فِي إِسْرائِيلَ بِزِناها فِي بَيْتِ أَبِيها فَتَنْزِعُ الشَرَّ مِنْ وَسَطِكَ 22:22 إِذا وُجِدَ رَجُلٌ مُضْطَجِعاً مَعَ اِمْرَأَةِ زَوْجَةِ بَعْلٍ يَقْتُلُ الاِثْنانِ الرَجُلَ المُضْطَجِعَ مَعَ المَرْأَةِ وَالمَرْأَةِ، فَتَنْزِعُ الشَرَّ مِنْ إسْرائِيلَ وَهٰكَذا الفَقَراتُ الَّتِي قَبْلَها وَالَّتِي بَعْدَها تَتَحَدَّثُ عَنْ حالاتِ الرَجْمِ وَالقَتْلِ] (حَقَّقْنا الفَقَراتِ الإِصْحاحَ الحادِيَ وَالعِشْرُونَ الكِتابَ المُقَدَّسَ العَهْدَ القَدِيمَ سِفَرَ التَثْنِيَةِ تَثْنِيَةَ الاشْتِراعِ)
يَبْدُو أَنَّ مَطْلَعَ اِلْآيَةٍ لَيْسَ عَلَى صِلَةٍ داخِلِيَّةِ الأَجْزاءِ الَّتِي تَتَناوَلُ الرَجْمَ، وَهُوَ ذُو طابَعٍ قُرْآنِيٍّ مِنْ حَيْثُ الشَكْلُ وَالمَضْمُونُ. لٰكِنْ بِما أَنَّ الجُزْأَيْنِ يَجْمَعُ أَنَّ دائِماً تَحْتَ اِسْمِ "آيَةِ الرَجْمِ" فَلابُدَّ مِنْ أَنْ يَسْرِيَ عَلَى الجُزْءِ الأَوَّلِ مِنْ إِلْآيَةِ ما يَسْرِي عَلَى الجُزْءِ الثانِي مِنْها، أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَمِ البَتَّةَ إِلَى القُرْآنِ.
وَيَرُدُّ مَطْلَعَ الِآيَةٍ أَحْياناً كَحَدِيثٍ لِمُحَمَّدٍ وَحَسْبُ، مِنْ دُونِ ذِكْرِ ظُرُوفٍ مُعَيَّنَةٍ لَهُ، أَمّا الشَكْلُ الَّذِي يَرُدُّ فِيهِ فَهُوَ: "لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كَفْرٌ". (يُرَدُّ مَعَ الشَرْحِ يُقَدِّمُ 18 مِنْ الهَوامِشِ حَوْلَ اِتِّفاقاتِ وَاِخْتِلافاتِ مُخْتَلِفِ المَصادِرِ وَالمُفَسِّرِينَ وَالمُؤَرِّخِينَ وَمَصادِرَ أُخْرَى) ثُمَّ يُناقِشُ فِي فِقْرَةٍ أُخْرَى السُورَ وَالآياتِ الَّتِي ذَكَرَت الزِنا وَأَحْكامَهُ، بَعْدَها يَعْرِضُ بَعْضُ الأَحادِيثِ الَّتِي يُعْتَقَدُ أَنَّها كانَتْ آياتٍ أَوْ جُزْءً مِنْ الآياتِ حَوْلَ الرِضاعَةِ وَعَدَدِ الرَضَعاتِ، وَما تُمَثِّلُهُ فِي عَلاقَتِهِ بِالمُرْضِعَةِ كامً لا يَجُوزُ الزَواجُ بِها إِلَى غَيْرِها مِنْ الأُمُورِ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الفِقْرَةِ الأَخِيرَةِ، وَيَنُوهُ فِيها إِلَى الضَياعِ التامِّ لِبَعْضِ الآياتِ، فَعَلَى سَبِيلِ المِثالِ قِيلَ أَنَّ سُورَةَ الأَحْزابِ، وَالَّتِي تَشْمَلُ الآنَ عَلَى 76 آيَةً كانَتْ فِي واقِعِها 200 آيَةٍ، بَلْ رُبَّما أَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ، بَلْ إِنَّ البَعْضَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّها كانَتْ أَطْوَلَ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ.، كَما يُقالُ إِنَّ هُناكَ بَعْضَ السُورِ مُحِيَّتْ تَماماً كَما فِي سُورَةِ القُنُوتِ

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن