الأضحية...البدايات والجذور

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 5 / 27

يعتقد كثيرون أن الأضحية نشأت في كنف الدين، وهو اعتقاد بمسيس الحاجة إلى إعادة نظر.
القصة بدأت بأنماط تفكير الانسان، ابان كان يتخبط في دياجير بدائيته خلال أزمنة سحيقة، قبل اطلالة عصر العلم والتكنولوجيا بكثير.
ظهر الانسان في بداياته الأولى ضعيفًا، يخشى ظواهر الطبيعة وافتراسه من الكائنات القوية. فلجأ إلى توسل ما يشاهد من ظواهر، ثم تأليهها. فعبد الشمس، والقمر، وأجرام الفضاء. وفي معتقدات لاحقة، تخيل وجود آلهة للمطر والخِصب والجفاف، ولكل ما يحتاجه ويخشاه. تصور هذه الآلهة على هيئته، تأكل وتشرب وتتناسل وتفرح وتغضب وبالتالي، تخيل امكانية التقرب إليها بالقرابين لكسب ودِّها وتجنب شرور الباطشة الغضوب منها. من هنا بدأت قصة الأضحية. القربان، الذي تحول إلى أضحية في أزمنة لاحقة، من قَرَّبَ وقَرِبَ ويقترب، أي وسيلة للتقرب من الآلهة وكسب رضاها واتقاء غضبها.
شملت القرابين المحاصيل، حيث لم يكن الانسان البدائي يتذوق ثمارها قبل تقديم قطوفها الأولى للآلهة. وانسحب الأمر على الحيوانات أيضًا، فلا يُنتفع بها قبل تقديم أبكارها قرابين تعبيرًا عن التفاني في التقرب للآلهة والاخلاص في التعبُّد. وفي أزمنة لاحقة، امتدت يد الانسان إلى أعناق فلذات أكباده، فلا يتردد في اسالة دماء أطفاله على مذابح الآلهة.
كان استرضاء الآلهة بالدم تقليدًا مُتَّبَعًا عند الشعوب القديمة، حيث دأب كهنة السومريين على ضرب أنفسهم في الاحتفالات الخاصة بذلك حتى تتلطخ المذابح بدمائهم. ومنهم من كان يخصي نفسه، ارضاء للآلهة.
وفي روما القديمة، كان طقس التضحية يُقام في أول ليلة قمرية من رأس السنة الرومانية، ويؤرخ له في الأول من آذار. ويُطلق على كبش الفداء اسم "مارس القديم"، وتذكر الأساطير أن أمه عذراء أنجبته بلا ذكر.
وجرى الفينيقيون على شِرعة التضحية بالطفل البِكر، كما يُستدل على ذلك من عظام أطفال وجدها الآثاريون تحت أساسات المنازل. ويُروى أن ميشع، ملك مؤاب، ذبح ابنه البِكر في سياق التضرع الى الإله ليفك الحصار عن مدينته. ولما استجاب ربه لرجائه، ذبح سبعة آلاف يهودي شكرًا لله على نعمائه !
ومن عادات الشعوب القديمة، أنهم كانوا وقت الاعتدال الربيعي يقدمون قربانًا لإله الإنبات ابتغاء وفرة المحاصيل. وكانوا يضحون أول الأمر بِصَلب المَلِك، وبعد موته يأكلون جزءًا من لحمه، وينثرون بعض دمه ليكسبوا قدسيته، ويُلقون بالباقي في الأرض المهيأة للزرع. بمرور الزمن، استعاضوا عن التضحية بالملك بالاقتراع على المُضحى به، ثم تخلوا عن الاقتراع وصاروا يختارون مجرمًا محكومًا عليه بالموت. واستقر الرأي أخيرًا على التضحية بالحيوان، محبذين ان يكون خروفًا أو تيسًا. واذا تعسرت الأحوال، اكتفوا بفطيرة في صورة انسان أو مرسوم عليها انسان، أو صليب يرمز للانسان المُضحى به. وقد تحول هذا التقليد لاحقًا إلى "عشاء رباني" يرمز فيه الخبز للجسد والخمر للدم.
عند العرب، عُرفت الأضاحي قبل الاسلام بإسم "العتائر"، وكانت تُذبح خلال موسم الحج عند الأنصاب، فيوزع لحمها على الحاضرين ليأكلوها جماعة، أو تُعطى للأفراد. وقد تُترك لضواري البر وكواسر الجو، فلا يُصد عنها انسان ولا سبع، كما يُخبرنا المؤرخ الكبير جواد علي.
وكانت العتائر تُنحر عند عديد الكعبات، ومنها كعبة "ذي الشَّرى"، يوم 25 كانون أول. وتُنحرُ أيضًا على جبل عرفات في بيت "العُزَّى"، وفي بيت "اللات" في الطائف. هنا، كانت الأضاحي حيوانية، وإن كان معبد "ذي غابة" ظل لزمن متمسكًا بالضحايا البشرية. ويرجح باحثون أن الوأد قبل الاسلام، كان أحد أشكال القرابين، خاصة وأنه لم يكن مقتصرًا على البنات كما هو شائع في مجتمعاتنا، بل شمل الذكور.
وقد كان لجبل "ثُبير"، الواقع شرق مكة والمُطِل على مَشعر مِنى، مكانة مقدسة عند العرب قبل الاسلام. كان على قمته صنم يصعدون للتبرك به، وينحرون الإبل قبل شروق الشمس في احتفال دموي أسموه أيام التشريق. والتشريق في لسان العرب، أيام ثلاثة بعد يوم النحر. الاسم مستمد من تشريق لحم الأضاحى، خلال هذه الأيام، أي تقطيعه وتجفيفه تحت أشعة الشمس. وبذلك، تُمنع الرطوبة المسببة للتعفن ويُحفظ اللحم لفترات طويلة. كان التشريق طريقة ذكية اتبعها العرب آنذاك فرضتها الضرورة، قبل أن يوفر العلم للانسانية الثلاجات للحفظ بالتبريد. وما يزال اسم "التشريق" يتردد في مواسم الحج كل عام.
لم تلبث الأديان أن أخذت تقليد القربان (الأضحية)، وجعلته ضمن شعائرها ولكن بالحيوان. ففي اليهودية، "كل شيء يتطهر بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة"(سِفر العبرانيين، الاصحاح 9).
وقد بدأت الأديان بثبيت الأضحية الحيوانية بقصة قابيل وهابيل، ذات الأصل الأسطوري السومري. ففي سِفر التكوين التوراتي، يُقدم راعي الغنم هابيل من أبكار أغنامه قربانًا للرب، ويقدم شقيقه قابيل المُزَارِع من أثمار أرضه قربانًا. لكن رب التوراة، ويبدو أنه شغوف بالشواء، قَبِل قربان هابيل ورفض قربان قابيل، فخسر الأول حياته بسبب الغيرة على يد شقيقه. ويمتحن الرب ابراهام (ابراهيم)، كما نقرأ في سِفر التكوين أيضًا، فيأمره بأخذ ابنه اسحق إلى أرض المريا ليذبحه ويقدمه قربانًا. وعندما تناول ابراهيم السكين ليذبح ابنه، ناداه ملاك الرب من السماء وقال: لا تفعل بالغلام شيئًا. فرفع ابراهيم عينيه ونظر، وإذا بكبش وراءه، فأخذه وضحى به.
بالمناسبة، السومريون سبقوا قصة ابراهيم بثلاثة آلاف سنة في تشريع احلال لحم الضأن محل كبش الفداء البشري للتقرب للآلهة.
اللاهوت المسيحي من جهته، قدَّمَ المسيح ذاته إلهًا ذبيحًا لغفران الخطايا. وبذلك، أحدث نقلة في فلسفة الذبائح، تلغي تقديم الأضاحي وتجسد دمها في المسيح، الحَمْل المسفوك دمه قربانًا أعظم. "هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم"(انجيل يوحنا، 1- 29).
وعندما يتناول المسيحيون الخبز والخمر، فإنما يتناولون شيئًا من جسد المسيح الفادي ودمه، فتفتح لهم بوابة الأبدية.
وفي الاسلام، الأضحية من شعائر الحج، مستمدة من تضحية ابراهيم بابنه اسماعيل بأوامر من السماء، كما نجد في الآية (102) من سورة الصافات.
في الاسلام، الأضحية غفران للخطايا وسبيل للتقوى وتوسعة للرِّزق. وقد اهتم الاسلام بالأضحية، حيث تُذبح في أوقات معينة، ولا تصح الأضاحي إلا بالنِّعَم والضأن شريطة أن تكون لا عوراء، ولا عرجاء، ولا جرباء، ولا بَيِّن مرضها.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن