9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه مدني

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 5 / 27

في أوموفيا، عندما بدأ الأوراكل يفقد قدرته على تفسير الواقع وإنتاج الإذعان، جاءت المسيحية لتقدم نفسها كبديل. لم تكن المسيحية أقل خرافة، لكنها كانت أكثر قدرة على استيعاب المنبوذين وتقديم شبكة أمان بديلة. في السودان اليوم، بعد انكشاف أوراكل القبيلة والتكفير والكجور والطرق الصوفية، وبعد فشل الثورة في بناء بديل تنظيمي دائم، جاءت "صمود" (تنسيقية القوى المدنية) لتقدم نفسها كحل. لكنها ليست حلاً، بل هي أوراكل جديد من نوع خاص: لا تريد إزاحة العسكر، بل تريد شراكة مع وجوه عسكرية جديدة، في محاولة لاستعادة نموذج الفترة الانتقالية 2019-2021 الذي انهار تحت وطأة تناقضاته. هذا الأوراكل المدني أخطر من الأوراكل العسكري، لأنه يتحدث باسم الثوار أنفسهم، ويستخدم لغة الديمقراطية والسلام لتمرير هيمنة النخبة المسلحة بوجه إنساني.

"صمود" لم تنشأ من فراغ. هي وريثة تجربة "تنسيقية القوى المدنية" و"الحرية والتغيير" و"مجلس السيادة" و"حكومة حمدوك". كل هذه التجارب كانت تقوم على نموذج واحد: شراكة بين القوى المدنية (التي لا تملك سلاحاً ولا قاعدة جماهيرية منظمة) والقوى العسكرية (التي تملك السلاح والذهب والموانئ). في كل مرة، كان العسكر يمسك بالسلطة الفعلية، والمدنيون يمسكون بواجهة الحكم، فيتفاوضون مع الخارج، ويستجدون التمويل، ويصدرون بيانات تطمئن المانحين. وفي كل مرة، كان العسكر يقلب الطاولة على المدنيين حين يشعر أن شركاءه أصبحوا عبئاً أو حين يريد إعادة توزيع الغنيمة. "صمود" تحاول إعادة إنتاج هذا النموذج نفسه، ليس لأن قادتها خونة، بل لأنهم أوراكل: يعتقدون أن لا بديل عن الشراكة مع العسكر، وأن أي محاولة لتجاوز هذه الشراكة هي "رومانسية ثورية" أو "انفصال عن الواقع".

ما تريده "صمود" هو استبدال البرهان وحميدتي بوجوه عسكرية أخرى، ليس لأنها تريد إزالة النموذج العسكري ككل، بل لأنها تريد شريكاً عسكرياً أقل وحشية أو أكثر قابلية للتفاوض. في مذكرات التفاوض غير المعلنة، تبحث "صمود" عن ضباط في الجيش أو قادة ميليشيات يمكن التعامل معهم، وتختبر مدى استعدادهم لقبول "حكومة مدنية" تكون واجهتها مدنية وجوهرها عسكري. هذا ليس سراً، بل هو منطق الأوراكل الذي يؤمن بأن التغيير يأتي من فوق، عبر التفاوض بين النخب، لا من أسفل، عبر تنظيم الجماهير. "صمود" لا تثق بقدرة الفقراء على تنظيم أنفسهم، ولذلك تريد أن تفاوض نيابة عنهم، وأن تقرر مصيرهم دون استشارتهم، وأن توقع وثائق لا يراها أحد ولا تنفذ على الأرض.

وظائف "صمود" كأوراكل تطابق تماماً الوظائف الأربع التي حللناها في مقالات سابقة. الوظيفة الأولى: تشريع تراتبية جديدة. "صمود" تقدم نفسها كـ"القوى المدنية" الوحيدة المخولة بالتفاوض، وتهمش لجان المقاومة والنقابات والمبادرات الشعبية المستقلة. هي تحتكر التمثيل باسم "الخبرة السياسية" و"العلاقات الدولية" و"الوساطة الإقليمية"، وتجعل من نفسها وسيطاً لا غنى عنه بين الجماهير والعسكر. الفقير في مخيم النزوح لا يمثل نفسه، بل تمثله "صمود" في نيروبي أو أديس أبابا أو القاهرة. هذا هو التشي الجديد: ليس القبيلة أو الدين، بل الانتماء إلى نادي المفاوضين.

الوظيفة الثانية: تفريغ الطاقة الاحتجاجية. كلما خرجت لجان المقاومة إلى الشارع تطالب بخبز أو دواء أو محاكمة المجرمين، أصدرت "صمود" بياناً يقول "نحن نتفاوض من أجلكم، فانتظروا". الطاقة الثورية التي كان يمكن أن تطيح بالنخبة المسلحة تُصرف في متابعة أخبار المفاوضات التي لا تنتهي، وفي الإحباط من انقسامات "صمود" الداخلية. بيان يصدر اليوم، وتصحيح يصدر غداً، وبيان مشترك يصدر بعد غد. والجماهير تنتظر. هذا هو الأوراكل بعينه: طقوس لا تنتهي، تمنع الناس من تنظيم أنفسهم لأنها تعدهم بأن "الحل قادم".

الوظيفة الثالثة: إدارة العنف بلغة مقدسة. "صمود" تقدس "الحل السياسي" و"الحوار" و"الانتقال الديمقراطي" كما قدس الأوراكل القتل باسم الآلهة. أي نقد لهذه العملية يُقابل باتهام "أنك تريد استمرار الحرب" أو "أنك ضد السلام". العنف الحقيقي - قصف الأسواق، حرق المستشفيات، تجويع الملايين - يصبح ثانوياً أمام "جريرة تعطيل المفاوضات". "صمود" لا توقف العنف، لكنها تشرعن استمراره باسم السعي لوقفه. الأوراكل الذي يحمي نفسه باسم السلام، هو أخطر الأوراكل.

الوظيفة الرابعة: شل الاستجابة الجماعية. "صمود" تطلب من لجان المقاومة ألا تتخذ أي قرار دون التنسيق معها. لجنة في نيالا تريد فتح ممر إنساني، فتنتظر موافقة "صمود" في نيروبي. حركة شبابية في كسلا تريد تنظيم ورشة عمل عن الوعي الطبقي، فتنتظر توجيهات "القوى المدنية". هذا الشلل هو ما يضمن بقاء "صمود" في موقع الوساطة، لأنها إن نجحت اللجان بتنظيم نفسها بنفسها، أصبحت "صمود" غير ضرورية. الأوراكل لا يريد أن تصبح الجماهير غير محتاجة إليه.

ما يجعل "صمود" أوراكل شراكة لا بديلاً، هو أنها لا تستهدف إزاحة العسكر، بل استبدالهم بوجوه جديدة. في تصورها، المشكلة ليست في النظام العسكري ككل، بل في الأفراد الذين يديرونه حالياً. لو جاء ضباط آخرون، أو قادة ميليشيات آخرون، يمكن إعادة إنتاج نموذج 2019-2021. هذا التصور يعترف ضمنياً بأن العسكر لا يمكن إزاحته، وأن الحل الوحيد هو "إصلاحه" و"دمج ميليشياته" و"ترتيب تقاسم السلطة معه". هذا ليس تحرراً، بل هو إدارة للهزيمة. الأوراكل لا يعد بالنصر، بل يعد بإدارة الهزيمة بأقل الخسائر.

المفارقة أن "صمود" تتصور نفسها كبديل عن أوراكل العسكر، لكنها في الحقيقة شريكته. العسكر يحتاج إلى "صمود" لتوفير غطاء مدني لنهب الذهب وتجويع الناس، ولصرف أنظار الرأي العام الدولي عن جرائمه. و"صمود" تحتاج إلى العسكر لتبرير وجودها كوسيط. العلاقة بينهما تكاملية، وعدائية في آن: يتنافسان على من يأخذ حصة أكبر من الكعكة، لكنهما متفقان على عدم كسر الكعكة نفسها. الأوراكل لا يكسر الأوراكل، بل يستبدله بأوراكل جديد يتنافس مع القديم على شرعية الاستغلال.

السؤال الذي لا تطرحه "صمود" على نفسها: من أعطاكم الحق في التفاوض باسم الشعب السوداني؟ لم تنتخبها لجان المقاومة، ولم تفوضها النقابات، ولم تخترها الجماهير في أي استفتاء. هي أوراكل قفز إلى موقع القيادة، ووجد جمهوراً معتاداً على وجود وسيط، أي وسيط، فصدقه. "صمود" هي التجسيد الحي للقفزة التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة: أي شخص يجرؤ على التقدم إلى الأمام ويقول "أنا أتكلم" يجد جمهوراً يتبعه، لأن الجماهير لم تتعلم بعد أن تسأل: من أنت لتمثلني؟

تحطيم هذا الأوراكل لا يتم بالبيانات الناقدة ولا بالمقالات التحليلية. يتم بتنظيم الجماهير من الأسفل، وبناء بدائل عملية لا تحتاج إلى وسيط. حين توزع لجان المقاومة الخبز دون انتظار إذن "صمود"، وتدير النساء المخيمات دون الرجوع إلى "القوى المدنية"، ويفتح الشباب الممرات الإنسانية دون تفويض من أي تحالف، عندها فقط تبدأ "صمود" في فقدان وظيفتها كوسيط. ليس لأنها ستختفي، بل لأنها ستصبح غير ضرورية. الأوراكل يموت حين يكتشف الناس أنهم يستطيعون العيش بدونه.

الخيانة ليست في نوايا قادة "صمود". كثير منهم مخلصون ويعتقدون أنهم يفعلون الصواب. الخيانة في البنية: أي مشروع سياسي يقوم على التفاوض مع العسكر بدل تنظيم الجماهير، ويطلب من الناس الانتظار بدل العمل، ويدعي التمثيل دون تفويض، هو مشروع يعيد إنتاج الهيمنة العسكرية بوجه إنساني. "صمود" هي أوراكل الشراكة، وهي أخطر من أوراكل القبيلة والتكفير، لأنها تتحدث باسم الثوار وتسرق أحلامهم وتبيعها في فنادق عواصم المؤتمرات.

النضال مستمر،،

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن