|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 5 / 25
قدحت فكرة هذا المقال في رأسي دعوة تلقيتها خلال رمضان الكريم الفائت، لتناول طعام الافطار. قبل أذان المغرب، كان موضوع النقاش العدوان الصهيوأميركي الظالم ضد ايران، وقد كان وقتها في أوجه. بعد الأذان وفيما نحن نتحلق حول المناسف، التقطت اذني ترديد أحدهم بصوت خفيض، كلمة "مسرحية". ولما أدرك أنني أصغيت إليه، أمسك عن الكلام. مقصوده بكلمة مسرحية، أن كل ما جرى بين ايران والصهيوأميركي متفق عليه. يعني ايران اتفقت مع أميركا واسرائيل على قتل مرشدها الأعلى وقادة كبار مدنيين وعسكريين وإلحاق التدمير ببنيتها التحتية، مقابل موافقة أميركا على تدمير ايران لقواعدها العسكرية في المنطقة وقتل وجرح العشرات من جنودها وقصف الكيان بالصواريخ !!!
ولنا أن نتخيل دون أن نستغرب، أن في مجتمعاتنا العربية على ما نسمع ونقرأ، من لا يزال يقبض هذا النمط من التفكير الساذج الغبي عن جد ويصدقه.
وهناك رؤى يُروَّج لها في وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أدهى وأمر، منها على سبيل المثال لا الحصر، أن اسم "اسرائيل" ورد في القرآن الكريم عشرات المرات ولم يرد اسم فلسطين ولو مرة واحدة.
أنموذجان، هما غيض من فيض يفرض التساؤل المشروع، عن أسباب قابلية انساننا العربي للانخداع وأن تؤكل برأسه حلاوة؟!
في تقديم مكثف للإجابة، نشير بداية إلى أن الانسان لا يعيش في فراغ، بل في مجتمع مؤطر في دولة.
الانسان العربي بالذات دون بني البشر، لم يكن له رأي أو دور في نشأة دولته ورسم حدودها. فقد كفاه الاستعمار الأجنبي مؤونة الطلب، وقام بـ"الواجب" وزيادة !
مقصود القول، الدولة العربية الحديثة ذات نشأة شاذة، من أبرز مؤشرات شذوذها ظهورها كسُلطات وليس كدولة طبيعية هدفها اقامة مجتمع مدني يضمن تطورها في سياق ديمقراطي. بلغة الحاضر، الدولة العربية القائمة أمنية بوليسية، انسانها يولد مقموعًا ومُستلبًا من المهد إلى اللحد. دولة كليانية تسلطية، تُرسم سياساتها الداخلية والخارجية لتحقيق هدف رئيس لا يعلوه هدف، هو خدمة مصالح سَدَنَتها لجهة إطالة أمد حكمهم وتوريثه، ليرتعوا هم وأحفادهم في غنائم السلطة، ويتمتعوا بملذاتها.
هذا الحال الشاذ غير قابل للاستمرار، من دون تعميم الفساد وذلك بافساد من لم يفسد. ولعل من أخطر ضروب الفساد تزييف الوعي، حيث يتقاطع الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة والأمن لتنميط الانسان والمجتمع. كل شيء في الدولة الأمنية مُفرغ من مضمونه الحقيقي. الديمقراطية استعراض شكلي ديكوري، فلا ديمقراطية حقيقية من دون تبادل سلمي للسلطة. الثقافة سطحية، تدأب وسائل الاعلام المُدجَّن على ابراز ممثليها مقابل تهميش المثقفين الحقيقيين. التعليم، خاصة الجامعي، غير مرتبطة نشاطاته العلمية بحركية اقتصادية وفكرية نشيطة، كما هو الحال في الدول المتقدمة. وعليه، لا غرابة أن تكون الجامعات في بلداننا غريبة عن مجتمعاتها والهوة واسعة بين هذه وتلك. هذا الخلل البنيوي ليس عفويًّا، بل مبرمج ومقنن. فالجامعات العربية نشأت، تحت اشراف المركزية الغربية وبتأثير منها، وتفضل تعيين هيئاتها التدريسية من خريجي جامعات أميركا وأوروبا الغربية على غيرهم. كما نشأت وما تزال رهينة النظرة الضيقة للدولة العربية الأمنية، وبشكل خاص في إطار سعيها للسيطرة على المجتمع أو "دولنته" بلغة الطيب تيزيني. من هنا نفهم عدم اثبات الجامعات العربية ذاتها ضمن استراتيجيات عمل طويلة المدى، بقدر قبولها الخضوع لسياسات هدفها الأهم احكام رقابة الدولة الأمنية على مجتمعاتها. على صعيد انتاج المعرفة وبناء منظومات ثقافية على أساس تلاقح الثقافة بالعلم، أخفقت جامعاتنا ولم تُفلح في هذا الجانب.
مستصفى القول، الانسان العربي يعيش حياته مكبلًا بقيود وصايتين: وصاية سياسية ووصاية غيبية. الأولى، مهمتها ابعاده عن المشاركة في تقرير مصيره، وعلى وجه التحديد في اختيار حاكمه ومساءلته. والثانية، تنصب جهودها في توظيف المقدس (الدين) في خدمة المُدنَّس (السياسة)، من خلال تدجين الانسان بقيود السمع والطاعة، وحشو الرؤوس باللامعقول المعزِّز للوصاية والتنميط.
ويصعب تصور نتاج تضافر هاتين الوصايتين غير الوعي الزائف، وهو الممهد الرئيس للرؤوس كي تتقبل "أكل الحلاوة فيها" عن طيب خاطر.
وأنت صديقنا القاريء العزيز، هل ترى بعد قراءتك لسطورنا وما بينها أننا أجبنا على سؤال: لماذا يقبل انساننا أن ينضحك عليه؟!
أما اذا سألتنا عن الحل، فهو برأينا في ثلاث كلمات: الديمقراطية، والعقلانية، والعالمانية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |