متلازمة الهزال الفكري بين ثالوث التفاهة واللامعنى والسيولة المعرفية

حسين سالم مرجين
2026 / 5 / 25

يلتقي كل من آلان دينو في تفكيكه لنظام التفاهة وتأثيره في تسطيح الإدراك، والطاهر لبيب في أطروحته حول سوسيولوجيا اللامعنى عزلة الخطاب عن الواقع المعاش كآلية سوسيولوجية لإنتاج التخلف والتبعية، وجان بودريار في تنظيره للانفجار المعلومات وشحّ المعنى في فضاء ما بعد الحقيقة؛ ليعلنوا جميعًا عن خطر بنيوي يهدد الوعي البشري. يتجسد هذا الخطر في فرض استهلاك نمط من الفكر منزوع العناصر والضروريات المعرفية، وهي حالة تماثل مفهوم السعرات الحرارية الفارغة في الاستهلاك البيولوجي.
وضمن هذا السياق، يتغذى الإنسان المعاصر على تدفقات التفاهة واللامعنى، مما يُنتج لديه تضخمًا معرفيًا زائفاً يدمج بين وهم المعرفة والاغتراب الإدراكي. إن هذا المنتج الثقافي السائل المنزوع الفواعل البنائية، يحاكي تماماً الأطعمة المصنّعة التي تملأ المعدة وتمنح شعوراً واهياً بالشبع بينما تورث الجسد الهزال؛ إذ يغدو الوعي محشوًا ببيانات كثيفة وصخب اتصالي خاوٍ من القيمة الجوهرية، دون أن يؤسس لبناء فكري نقدي، أو يملك فاعلية التغيير الاجتماعي.
ولم تعد النخبة الأكاديمية بمعزل عن هذا الاغتراب الإدراكي؛ إذ تشير المؤشرات الميدانية الحديثة في البيئة الجامعية الليبية إلى تحول في السلوكيات الرقمية لأعضاء هيئة التدريس، حيث قفزت معدلات استهلاكهم للمنصات الرقمية إلى ما بين أربع وست ساعات يومياً، مع تركز هذا الانشغال السائل في تطبيقات الدردشة الفورية. يقود هذا المؤشر الإحصائي إلى استنتاج بنيوي حرج؛ وهو أن النخبة المناط بها صناعة الوعي باتت تستهلك نصيباً مكثفًا من هذا الفكر منزوع العناصر، وتلتهم بشراهة تلك السعرات المعرفية الفارغة. ومع استمرار هذا التعاطي الرقمي، يتشبع الفاعل الأكاديمي ببيانات نمطية استهلاكية، مما ينتج تضخمًا معرفيًا زائفًا يُفرغ القوالب الذهنية في قاع اللامعنى، ويسلب النخبة دورها كمرجعية نقدية صلبة، ليحولها تدريجيًا من جدار صد معرفي ضد التضليل إلى شريك غير واعٍ في إعادة إنتاجه وتكريسه.
أما على مستوى القاعدة المجتمعية، فإن المشهد يتخذ أبعادًا بنيوية بالغة الخطورة؛ إذ تشير المؤشرات الرقمية العالمية إلى أن مستخدمي هذه المنصات باتوا يُقدّرون بالمليارات. ولا يقتصر هذا النزيف المعرفي على طلبة المدارس فحسب، بل امتد ليتغلغل في تفاصيل التنشئة الاجتماعية المبكرة للأطفال ممن هم في ربيعهم الأول، حيث يواجهون شاشات الهواتف المحمولة في مرحلة التشكل الإدراكي الأولى. إن هذا الجيل الناشئ ينخرط يومياً ببيئة حيوية عابرة للحدود، ويتغذى على نمط رقمي سائل يحرمه من المغذيات العقلية وبنى المنطق الأساسية.
وأمام هذا التجريف الجمعي، ينبثق تساؤل سوسيولوجي ملحّ:
• ألا تستدعي هذه السيولة الرقمية تدبرًا نقديًا وإعادة تفكير جذرية؟
• ألم يحن الوقت لصياغة بروتوكولات حماية معرفية واستراتيجية لبناء الوعي، بهدف معالجة الهزال الفكري وضبط العجز الإدراكي المتولد عن التدفق المنظم لتلك السعرات المعرفية الفارغة؟
إن هذا الهزال الفكري الناجم عن سوء التغذية المعرفية ليس نتاج مصادفة عابرة، بل هو هندسة مقصودة تنم عن إرادة سياسية واقتصادية مهيمنة، تسعى عمدًا إلى إشباع الفضاء العام بالتفاهة والسيولة التي تبتلع الحقائق، لـهندسة الذاكرة الجمعية وتزييف الوعي المجتمعي.
وتتجسد هذه الظاهرة البنيوية العابرة للحدود في متلازمة الهزال الفكري المكتسب؛ وهي حالة من التسطيح الإدراكي الحاد تصيب المجتمعات نتيجة التعاطي المستمر والمنظم للسعرات المعرفية الفارغة .
ويقود هذا النمط الاستهلاكي إلى انتفاخ الهوية الفكرية وهمياً بوهم المعرفة، مصحوبًا بضمور آليات التفكير النقدي؛ مما يُدمر جهاز المناعة الفكري ويسهل اختراقه عبر هندسة السرديات المزيفة لغرض تحويل الشعوب إلى كتل بشرية مستسلمة. وتُمثل هذه المتلازمة اليوم أرقى مراحل الهيمنة المعاصرة المعززة بـالاستعباد الإدراكي الناعم الذي ترعاه المنصات الرقمية، حيث تتغلغل في الوعي المجتمعي عبر مؤسسات ثقافية وإعلامية، لتحوّل التسطيح المعرفي إلى منطق عام ومسلّمة عقلية يتبناها المجتمع طواعية، فيتحول الهزال إلى عقيدة والتسطيح إلى طبع اجتماعي ممتد. ومن خلال هذه الديناميكية، ينسلخ المجتمع عن دوره النقدي ليتحول إلى حارس وفيّ لقيوده ومدافعٍ عن المتلازمة ذاتها؛ يُساق بوهمه المعرفي نحو التسليم المطلق والانقياد المجتمعي الأعمى، وصولاً إلى مرحلة تقديس الجهل التي يبني فيها المجتمع أوهامه المعاصرة بوصفها حقائق وجودية مطلقة.
وبناءً على ذلك، يتضح جليًا أن متلازمة الهزال الفكري المكتسب ليست مجرد سقطات إعلامية عفوية، بل هي استراتيجية هندسية ممنهجة لفرض الاستعباد الرقمي وتأمين استدامة النخب المهيمنة في السلطة. تعتمد هذه الهندسة على ضخ جرعات مكثفة من السعرات المعرفية الفارغة لتجريد الفضاء العام من غاياته الجوهرية، محولةً التفاهة واللامعنى إلى أدوات سيطرة بالغة الفاعلية.
وتتجلى هذه المتلازمة بوضوح في أجندة الإعلام العالمي وصناعة الاستعراض السياسي المعاصر؛ حيث يحتل الجدل المحتدم حول تفاصيل بناء قاعة احتفالات ورقص مبهرجة في البيت الأبيض صدارة التغطيات واهتمام الرأي العام، متفوقاً على قضايا مصيرية كالنزاعات المسلحة والأزمات التنموية . وفي سياق مشابه، تتحول لقطة عفوية لتعثر زعيم عالمي أثناء مشيه، أو قصة شعر شخصية عامة، إلى مادة اتصالية دسمة تبتلع فضاءات البث وملايين التغريدات؛ في المقابل، تُمرر صفقات السلاح الكبرى، وتُعدل القوانين الدستورية المقيدة للحريات، وتتفاقم أزمات المناخ والفقر، دون أدنى نقاش مجتمعي أو تدبر نقدي حقيقي
وعمومًا، يتبين أن متلازمة الهزال الفكري المكتسب قد أحدثت انقلاباً جذرياً في البنية القيمية والمعرفية للمجتمعات؛ حيث جرى إحلال الهامشي الاستعراضي محل الجوهري البنائي. إن هذا الاستهلاك النمطي للسعرات المعرفية الفارغة تجاوز حدود الترفيه العفوي، ليستحيل أداة ضبط اجتماعي واغتراب منظم أفرز كتلاً بشرية منقادة، تحرس فضاءاتها الافتراضية وتدافع عن أوهامها بوصفها حقائق مطلقة.
وبناءً على ذلك، فإن مواجهة هذا الاستعباد الإدراكي الناعم لا تكمن في الانعزال الفني عن أدوات التقنية، بل في تفعيل الفاعلية الاجتماعية المضادة؛ وذلك عبر صياغة بروتوكولات حماية ثقافية تسعى لإعادة بناء الملكات النقدية، واستعادة الحصانة المعرفية الجمعية؛ تجنباً لصيرورة الإنسان المعاصر مجرد مستهلك مغترب في فضاء سائل منزوع القيمة والمعنى.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن