|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 5 / 24
أزمة الخطاب: الكلمة وتأثير الفراشة:
بقلم: د. أحمد كانون
لطالما تملكني العجب، وخالطتني الدهشة، وأنا أرقب مسؤولين—بل وقادة دول—يسهبون في إلقاء خطاباتهم وتوجيه رسائلهم لجمهور ما، في أزمنة وأمكنة مجافية للصواب. وما هي إلا لحظات حتى ترتد عليهم تلك الكلمات بردود أفعال لم تكن في الحسبان، لتنقلب خطاباتهم، التي كان حرياً بها أن تتسم بالرصانة والوزن، إلى مادة خصبة للتندر، والسخرية، والتوظيف السياسي والإعلامي.
إن الخطاب، في حقيقته وجوهره، لم يكن يوماً مجرد حروف تُنطق، أو جمل تُسرد في الفضاء العام لتملأ الفراغ؛ بل هو حالة اتصالية حية، ومنظومة تكاملية شاملة. لا يمكن استيعاب أبعاد هذه المنظومة أو تحقيق غاياتها إلا إذا وُضعت ضمن سياقها الدقيق والموجّه بعناية فائقة. ومن هنا، فإنني أقولها بصدق وتجرد:
"إن إطلاق الكلمة في غير زمانها ومكانها يشبه تماماً (تأثير الفراشة)؛ رفرفة جناح هادئة تبدو في ظاهرها بريئة وغير مؤذية، بيد أن تداعياتها الحتمية قد تصنع زلزالاً مدمراً أو تسونامي عاتياً، يبتلع في طريقه الكثير من الضحايا."
فوكو وسلطة الخطاب: أبعد من مجرد كلمات: لا تقع أزمة الخطاب في أروقة السياسة فحسب، بل تمتد لتشمل كافة مناحي الحياة الميكرو-اجتماعية؛ فقد تتجلى في خطاب أبٍ لعائلته، أو في حديث مُحبٍ لمن يحب. الخطاب الإنساني هو الإطار الذي يحدد شكل ونوع العلاقات.
ولعل الأبرع في تفكيك هذا المفهوم هو الفيلسوف "ميشيل فوكو"، الذي لم يَرَ الخطاب مجرد أداة لغوية للتعبير، بل اعتبره شبكة معقدة من "السلطة" و"المعرفة". الخطاب عند فوكو هو الذي يخلق الحقيقة، وهو منظومة صارمة تحدد من يحق له الكلام، وماذا يجب أن يُقال، ومن يجب إقصاؤه. وعليه، فإن أي خلل في الخطاب ليس مجرد "زلة لسان"، بل هو شرخ في جدار السلطة (سواء سلطة سياسية، أو أبوية، أو فكرية) واختلال خطير في بنية العلاقات المجتمعية.
مفاصل الخطاب وأزماته الكامنة
لكي نفهم تشريح هذه الأزمة، يجب أن ندرك أن أي خطاب يقوم على أربعة مفاصل رئيسية، وكل مفصل يحمل في طياته مشكلته الخاصة:
المتكلم (مصدر الخطاب): وتكمن أزمته في غياب القصدية السليمة؛ فقد يصدر عن المتكلم خطاب لا يقصده بمعناه الحرفي أو المبطن، فيتحول إلى خطاب خاطئ يرتد عليه.
مادة الخطاب (النص): وتكمن المشكلة في طبيعة النص؛ فقد يكون الخطاب حياً يتفاعل مع اللحظة، أو قد يكون "خطاباً فيروسياً ميتاً"، كامناً يتحين الفرصة ليحيا من جديد متى ما وجد الوسط المتلقي الحاضن له، متجاوزاً بذلك حدود الزمان والمكان.
المتلقي (الجمهور المستهدف): وتبرز الأزمة هنا عندما يعجز المتلقي عن فهم الرسالة، أو عندما يحمل موقفاً مسبقاً يرفض فيه المتكلم نفسه. فالعامة تفهم وتتقبل غالباً الخطاب الصادر عمن تحب، أو ذلك الخطاب الذي يدغدغ عواطفها ويلامس وجدانها.
ناقل الخطاب (الوسيط): وهو العنصر الذي يخضع لعامل الزمن. ولحسن الحظ، بفضل أدوات التسجيل والتوثيق الحديثة، لم يعد هذا المفصل خاضعاً للتأويل المطلق أو التحريف المتعمد كما كان في الماضي.
تجليات الأزمة: عندما تحرق الكلمات أصحابها: ولتقريب الصورة، دعونا نتأمل كيف تتجسد خطورة أزمة الخطاب في واقعنا وتاريخنا:
مثال سياسي تاريخي (خطاب الانفصال عن الواقع): لعل أشهر خطيئة خطابية في التاريخ هي تلك العبارة المنسوبة للملكة الفرنسية ماري أنطوانيت: "إذا لم يجدوا الخبز، فليأكلوا البسكويت (الكعك)". بغض النظر عن دقتها التاريخية، فإن هذه الجملة تمثل الذروة الكارثية لـ "أزمة الخطاب"؛ حين ينفصل المتكلم (السلطة) تماماً عن واقع المتلقي (الشعب الجائع). النتيجة لم تكن مجرد سخرية، بل ثورة دموية أطاحت بنظام كامل، لأن الخطاب أُطلق في الزمكان الخطأ، واستفز العاطفة بدلاً من احتوائها.
مثال اجتماعي (حوار الطرشان): نراه يتكرر في بيوتنا؛ حين يوجه الأب (المتكلم) خطاباً سلطوياً جافاً لابنه المراهق (المتلقي)، مليئاً بلغة الأوامر والمثاليات القديمة. الأب يقصد النصح والتوجيه، لكن "مادة الخطاب" لا تتناسب مع شيفرة المتلقي الذي يبحث عن تفهم عاطفي واحتواء. النتيجة هنا هي "صمم اختياري" من الابن، وانهيار لجسر التواصل، لتتولد أزمة اغتراب وصراع أجيال حاد داخل الأسرة الواحدة.
بوصلة الخطاب: كيف نحمي كلماتنا من التيه؟
وحتى لا نفقد السيطرة على خطاباتنا، ونضمن وصولها لأهدافها في مسارها الصحيح دون ارتدادات عكسية، أضع بين أيديكم هذه الموجهات والحلول العملية:
هندسة الزمكان (السياق): قبل أن تنطق الكلمة، اسأل نفسك: هل هذا هو الوقت المناسب؟ وهل هذا هو المكان أو المنبر الملائم؟ الكلمة الصائبة في الوقت الخاطئ هي كلمة خاطئة بامتياز.
دراسة شيفرة المتلقي: الخطاب الناجح ليس ما تفهمه أنت، بل ما يستوعبه المتلقي! . يجب صياغة الرسالة بلغة تتناسب مع وعي الجمهور، وحالتهم النفسية، واستعدادهم العاطفي، دون تعالٍ أو استخفاف.
التطابق بين القصد واللفظ: تجنب الكلمات الفضفاضة والمصطلحات الملتبسة التي تفتح باباً للتأويل السلبي. كن دقيقاً ومباشراً قدر الإمكان لتضييق الفجوة بين "ما تقصده" و"ما يُفهم منك".
المرونة واستشعار التغذية الراجعة: الخطاب ليس طريقاً باتجاه واحد. القائد الذكي، أو الأب الحكيم، هو من يقرأ لغة الجسد وردود الأفعال الأولية للمتلقي أثناء الخطاب، ويمتلك المرونة لتعديل مسار حديثه فوراً إذا لاحظ أن كلماته بدأت تأخذ منحنى مأزوماً.
خلاصة القول؛ خذ هذه المفاصل، وقِس عليها العوامل المحيطة، وحاول أن تفهم السياقات لتكتشف حجم الأزمات العقائدية، وحالات الخداع، والحقائق الغائبة لأزمات نعيشها فعلياً في ماضينا وحاضرنا، وربما ستمتد معنا إلى مستقبلنا. فالكلمة مسؤولية عظمى، والخطاب وعي وبصيرة، قبل أن يكون مجرد هواء يخرج من الحناجر.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |