القانون والاقتصاد السياسي: كيف يصنع القانون علاقات القوة في المجتمع؟

زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 23

لم يعد من الممكن في العصر الحديث النظر إلى القانون بوصفه مجموعة قواعد محايدة تُنظم المجتمع فقط، أو إلى الاقتصاد باعتباره نشاطًا مستقلًا تحكمه قوانين السوق وحدها، فقد ظهرت دراسات حديثة ضمن حقل يُعرف بـ"القانون والاقتصاد السياسي" تؤكد أن القانون والسياسة والاقتصاد مترابطة بصورة عميقة، وأن الأسواق نفسها لا تنشأ بصورة طبيعية، بل تُصاغ وتُعاد صياغتها عبر التشريعات والمؤسسات السياسية وعلاقات القوة الاجتماعية.
ينطلق هذا التوجه من نقد المدرسة الاقتصادية التقليدية التي تعاملت مع السوق بوصفه نظامًا مستقلًا يعمل تلقائيًا وفق قوانين العرض والطلب، بينما يرى أن الدولة والقانون ليسا مجرد مراقبين للسوق، بل هما من يحددان شكل الملكية، والعقود، وحقوق العمال، وحدود المنافسة، وطبيعة توزيع الثروة داخل المجتمع، ومن هنا فإن أي خلل اقتصادي أو تفاوت اجتماعي لا يمكن فهمه بعيدًا عن البنية القانونية والسياسية التي أنتجته.
وتبرز أهمية هذا الطرح بصورة خاصة بعد الأزمات الاقتصادية العالمية، ولا سيما أزمة عام 2008، التي كشفت أن تحرير الأسواق بصورة مطلقة قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الطبقية وإضعاف الديمقراطية وسيطرة النخب المالية على القرار السياسي.
وبالتالي، فإننا نسأل السؤال التالي، وهو: "هل يمكن للقانون أن يحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية فعلًا، أم أنه قد يتحول إلى أداة تُكرس هيمنة القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى داخل المجتمع؟"
هذه الإشكالية تُعد من أهم القضايا التي يناقشها حقل القانون والاقتصاد السياسي؛ لأنه يحاول فهم العلاقة المعقدة بين السلطة والثروة والتشريع، وكيف تؤثر القوانين في توزيع النفوذ داخل الدولة والمجتمع.
يرى اتجاه القانون والاقتصاد السياسي أن الأسواق ليست كيانات طبيعية مستقلة، بل هي نتاج مباشر لقرارات سياسية وقانونية، فالقانون هو الذي يمنح الشركات الشخصية الاعتبارية، ويحدد قواعد الاستثمار، وينظم البنوك، ويضع نظام الضرائب والعمل والتجارة، وبالتالي فإن الاقتصاد لا يعمل خارج الإطار القانوني، وإنما من خلاله.
ومن هذا المنطلق، فإن علاقات القوة داخل المجتمع تُبنى جزئيًا عبر القوانين، فعندما تُصاغ قوانين الضرائب بطريقة تخفف العبء عن أصحاب رؤوس الأموال وتزيده على الطبقات المتوسطة والفقيرة، فإن القانون هنا لا يكون محايدًا، بل يصبح أداة لإعادة توزيع الثروة لمصلحة فئة معينة، وكذلك الحال عندما تُضعف قوانين العمل من حماية العمال أو تُعطي الشركات الكبرى امتيازات احتكارية واسعة.
فالاقتصاديون يؤكدون أن التفاوت الاقتصادي لا ينشأ فقط بسبب الكفاءة الفردية أو المنافسة الحرة، بل نتيجة تراكم تاريخي لعلاقات السلطة التي تُنتجها الأنظمة القانونية والسياسية، ولهذا فإن القانون لا يكتفي بتنظيم الاقتصاد، بل يساهم في تشكيل البنية الاجتماعية ذاتها.
كما تناقش الكتب الاقتصادية العلاقة بين الدولة والسوق، حيث تروج بعض الاتجاهات الليبرالية لفكرة تقليص دور الدولة وترك الاقتصاد لقوى السوق، غير أن أنصار القانون والاقتصاد السياسي يرون أن غياب الدولة لا يعني غياب السلطة، بل يعني غالبًا انتقال السلطة من المؤسسات الديمقراطية إلى الشركات العملاقة والمؤسسات المالية الكبرى، فحتى الأسواق الحرة تحتاج إلى قوانين تحمي الملكية والعقود والاستثمارات، أي أنها تعتمد في النهاية على سلطة الدولة.
ومن القضايا المهمة التي تناولتها الكتب الاقتصادية أيضًا هي تأثير العولمة والاندماج الاقتصادي الدولي في الديمقراطية والسيادة الوطنية، فمع توسع الاتفاقيات التجارية والمؤسسات المالية الدولية، أصبحت بعض القرارات الاقتصادية تُفرض على الدول بصورة تحد من قدرتها على رسم سياساتها الاجتماعية والاقتصادية بحرية، ويظهر ذلك بوضوح في حالات فرض سياسات التقشف أو تحرير الأسواق كشرط للحصول على الدعم المالي الدولي.
وهنا تظهر خطورة انفصال القانون عن العدالة الاجتماعية؛ إذ قد تتحول القواعد القانونية إلى وسائل لحماية التوازنات الاقتصادية القائمة بدلًا من إصلاحها، فالقانون، بحسب هذا الاتجاه، ليس مجرد نصوص جامدة، بل انعكاس لصراعات اجتماعية وسياسية واقتصادية مستمرة.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن القانون أداة قمع دائمًا، بل يمكن أن يكون وسيلة لتحقيق التوازن والعدالة إذا استُخدم ضمن رؤية ديمقراطية تراعي المصلحة العامة، فالتشريعات المتعلقة بالضمان الاجتماعي، والحد الأدنى للأجور، وحماية المستهلك، ومنع الاحتكار، والعدالة الضريبية، كلها أمثلة على قدرة القانون على الحد من هيمنة القوة الاقتصادية وإعادة بناء التوازن الاجتماعي.
إذًا، يمكن معالجة الإشكالية السابقة من خلال إعادة بناء العلاقة بين القانون والاقتصاد على أساس العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وذلك عبر عدة أمور:
أولًا: ضرورة الاعتراف بأن القانون ليس محايدًا بصورة مطلقة، وأنه يتأثر بالبنية السياسية والاقتصادية للمجتمع، وهذا الإدراك يساعد على تطوير تشريعات أكثر عدالة وشفافية.
ثانيًا: تعزيز الرقابة الديمقراطية على القرارات الاقتصادية الكبرى، بحيث لا تنفرد الشركات العملاقة أو المؤسسات المالية بالتأثير في السياسات العامة.
ثالثًا: تبني سياسات قانونية تحقق التوازن بين حرية السوق والحقوق الاجتماعية، من خلال حماية العمال، ومنع الاحتكار، وضمان عدالة النظام الضريبي.
رابعًا: تطوير التعليم القانوني بحيث لا يقتصر على دراسة النصوص المجردة، بل يهتم بتحليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية للقوانين، لأن القانون لا يعمل في فراغ بل داخل واقع اجتماعي معقد.
يكشف حقل القانون والاقتصاد السياسي أن العلاقة بين القانون والاقتصاد ليست علاقة فصل أو استقلال، بل علاقة تفاعل عميق تُشكل بنية المجتمع والدولة؛ فالقوانين لا تنظم الأسواق فقط، بل تساهم في صناعة القوة والثروة وتوزيع النفوذ داخل المجتمع، ولذلك فإن العدالة القانونية لا تتحقق بمجرد وجود النصوص، وإنما بطريقة صياغتها وتطبيقها والغاية التي تخدمها.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الدولة والسوق، بل في بناء نظام قانوني واقتصادي يوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويمنع تحول القانون إلى أداة بيد القوى الاقتصادية المهيمنة؛ وهذا ما يجعل دراسة القانون والاقتصاد السياسي ضرورية لفهم الأزمات المعاصرة وإعادة التفكير في دور القانون في حماية الإنسان والمجتمع.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن