|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 5 / 23
يُدرج الرياء في عائلة النِّفاق، ولتقصي جذور ظاهرة كالنفاق، ابحث دائمًا عن الثقافة. ففيها الداء، وفيها يُفترض استخلاص الدواء. الديمقراطية ثقافة، والاستبداد أيضًا ثقافة. الاستبداد يستصحب الفساد الأخلاقي والسلوكي، كما هو ثابت علميًّا.
في مقدمة تجليات الفساد السلوكي في الدول ذات الأنظمة غير الديمقراطية، كما هو واقع الحال في العالم العربي، النفاق والتزلف والرياء. في هذا الثالوث غير المقدس، تجد الأكثرية المغلوبة على أمرها منجاة من شرور السلطات القهرية، ووسيلة للحفاظ على المصالح ومنها الحصول على وظائف حتى لو كانت لا تسد الرمق أو بالكاد تسده. وعادة ما يتبدى ثالوث النفاق والتزلف والرياء في اعلان الولاء المطلق للحاكم وليس للشعب والوطن، والتأييد الأعمى للسياسات مع أن الغالبية العظمى لا توليها أهمية تُذكر وغير مقتنعة بها.
في عالمنا العربي، ثمة محددان رئيسان متضافرا الأثر لهما الدور الحاسم في تحديد المنتج الاعلامي وتقرير توجهاته، هما الأنظمة الحاكمة والثقافة السائدة. تأثير المحدد الأول فاقع مثل فَلَقِ الصبح. أما على صعيد المحدد الثاني، أي الثقافة، فبمقدورنا القول مرتاحي الضمير البحثي إن الإغراق في المديح صفة عربية لها وقعها السحري الأخاذ في نفس الممدوح، وهو الحاكم غالبًا وعلى مر الزمان.
لعل من أخص خصائص ماضينا ظاهرة الخلفاء يفتحون أبواب قصورهم للشعراء يتبارون بإلقاء قصائد المديح بين أيديهم، مزركشة ببليغ القول وبديع الوصف، مقابل الحظوة وأكياس الذهب والفضة. وما يزال هذا التقليد فاعلًا بقوة في حياتنا حتى يوم الناس هذا، بل تمدد واتسع وإن اختلفت الأساليب بتغير الظروف.
بمرور الزمن، ألِف الخلفاء المديح ومبالغة الشعراء في رفع بعضهم إلى مصاف الآلهة.
ومن غيض فيض ما نحن بصدده، نقبس أبياتًا قالها الشاعر منصور النُّميري في الخليفة العباسي هارون الرشيد:
إن المكارم والمعروف أوديَة أحلَّكَ الله منها حيث تجتمع.
إذا رفعت أمرًا فالله رافعه ومن وضعت من الأقوام مُتَّضعُ
من لم يكن بأمين الله معتصمًا فليس بالصلوات الخمس ينتفعُ
إن أخلف الغيث لم تخلِف أنامُله أو ضاق أمرٌ ذَكَرناه فيتَّسعُ.
وقد اشتهر على غيره من أنموذجات الغلو في مديح الحاكم، بيت الشِّعر الشهير للشاعر محمد بن هانىء الأندلسي في الخليفة الفاطمي "المعز لدين الله": ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهَّار.
ومثلما طوَّر أهل الضاد المديح إلى نفاق فاقع، لم يُعسرهم إلباس الأخير أردية الأسطرة والتقديس. ومن أفقع الأمثلة، ما أُسْبِغَ على البخاري، صاحب أحد الصحيحين في الأحاديث النبوية، مما يضعه في منزلة الأنبياء أو القديسين. فلا يتردد رجال الدين عن تكرار قصة حدثت مع البخاري في صِغَرِه، مفادها أن "بصره كفَّ وهو طفل، وظلت أمه تبكي وتدعو الله حتى رأت في المنام ابراهيم خليل الله في الرؤية يقول يا أَمَة الله، لقد ردَّ الله نور عين ابنك إليه، فرأت أن الله أعاد عليه بصره".
هنا، يفرض نفسه سؤال حظه من المنطق موفور: هل أُمُّ البخاري بحاجة إلى هذه الرؤيا(الحلم في المنام)، لتتأكد من أن ابنها استعاد نعمة البصر؟!
فقد كان بامكانها ملاحظة ذلك ما إن يفتح عينيه ويُبصِر، لكن المطلوب إظهار مكانة البخاري لدى السماء، وذلك بالوحي إلى أمِّه بواسطة النبي ابراهيم بأن ابنها استعاد بصره.
ونحن نرى أنه لا يمكن لبشر سوي سليم العقل تصديق رواية كهذه، إلا إذا منح عقله إجازة لسويعة أو لبعضِ وقت.
فاض سيل أسطرة البخاري وتقديسه، فشمل صاحب الصحيح الثاني في الأحاديث النبوية، أي مسلم. يقول محمد صادق النجمي في كتاب (أضواء على الصحيحين): "قال علماء العامة في الصحيحين وفي تصحيحهم وتوثيقهم لجميع أحاديثهما وتعديل مؤلِّفَيهما من المدائح والإطراء كثيرًا، وأطنبوا في ذلك حتى بلغ بهم مبلغ الغلو والإفراط فيهما. وكان نصيب البخاري من هذه المدائح والاطراءات أكثر من مسلم، فتارة تراهم يبعثون سلام النبي صلى الله عليه وسلم وتحيته إلى البخاري، وتارة يقصون الرؤى والأحلام في شأن صحيحه وينسبون إليه وإلى مسلم وصحيحيهما شتى الكرامات الفاضلة حتى بلغ بهم الأمر أن قالوا: إن رسول الله أيَّدَ صحة كتابيهما وأمضاهما".
ونذكِّر القاريء بأن البخاري وُلِد بعد وفاة النبي بـ(183) سنة، ووُلِد مسلم بعد وفاته بـ(195) سنة.
بالانتقال إلى الحاضر، نجد أن من أفانين النفاق تلك العبارة الشهيرة الموجهة من رجل الدين المصري المتوفى محمد متولي شعراوي إلى الرئيس الراحل أنور السادات، يوم 20 آذار 1978. كان الشعراوي حينها وزير أوقاف، وفي جلسة ساخنة لمجلس الشعب المصري، على أرضية استجواب برلماني حول أحد المقربين من السادات قال: "والذي نفسي بيده، لو كان لي من الأمر شيء لحكمت لهذا الرجل (السادات)، الذي رفعنا تلك الرفعة وانتشلنا مما كنا فيه إلى قمة ألا يُسأل عما يفعل".
وإذا شئنا استحضار المزيد من الأمثلة في الصدد، فإننا بحاجة إلى مجلدات بمئات الصفحات.
ولكن بإمكان أي باحث أو مهتم متابعة الاعلام العربي الرسمي خاصة، المرئي والمسموع والمطبوع، ليوم واحد في أي بلد عربي ليتأكد من مساحة النفاق بشتى ضروبه في ثقافتنا.
لا بد أن القاريء قد لحظ بجلاء ان النفاق لم يترك الدين بحاله، كشأن تعبدي روحي. وقد أغرى رجال دين باستخدام أساليبه، مدفوعين بحسابات مصالحهم، أو لتدعيم المعتقدات والرؤى، أو لإعلاء شأن الرموز الدينية.
ولا مِرية أنه لهذه المنظومة النفاقية المرتدية لبوس المقدس، انعكاساتها العميقة على العقلية العربية في أكثر من اتجاه، تلتقي كلها في تحقيق أهداف السيطرة على الانسان العربي والتحكم به. فالدين أفعل وسائل السيطرة على انساننا، الذي لا يلبث أن يضع عقله جانبًا إذا حضر الدين بالذات حتى لو كان حضوره يتغيَّا تزييف الوعي أو أكل حلاوة في الرؤوس!
وتزخر كتب التراث خاصتنا وأدبيات الحاضر بالأمثلة، نستحضر أحدها ونختم به.
اشتهر الشاعر كلثوم بن عمرو بن أيوب العتابي التغلبي، المعاصر لهارون الرشيد وابنه المأمون، ببراعته في النثر وبرسائله عميقة المغزى وبليغة المعنى.
ذات يوم، دخل الشاعر العتابي سوقًا في بغداد وما زال يأكل. وكان سلوك كهذا يخالف العادات الاجتماعية آنذاك. لذا، احتج عليه صديق، قائلًا: ويحك، كيف تفعل هذا؟
رد العتابي: وما الذي أفعله؟
-تأكل الطعام في سوق ويراك الناس.
رد العتابي بلسانه السليط: هؤلاء الذين يرونني بقر وليسوا ناسًا.
غضب صديقه واحتد، فقال له العتابي: على رِسلِك يا صديقي. سأثبت لك الآن أمام ناظريك، أنني لم اظلمهم بوصفي لهم بأنهم بقر وليسوا ناسًا. وما عليك سوى مشاهدة ما أفعل.
صعد الشاعر العتابي إلى ربوة، ونادى في الناس: يا قوم. هيا إليّْ، هلموا إليّْ يا قوم أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. فأخذ الناس يتدافعون إليه، واحتشدت الجموع حوله. وشرع العتابي، يتحدث مستخدمًا أسلوب العنعنة: روى فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن...وظل ينتقل من حديث إلى آخر بالأسلوب ذاته، والقلوب متعلقة به، والعيون ترنو إليه. سيطر عليهم وكأنه حقنهم بمنوم مغناطيسي، إلى حد أنه إذا حرَّك يده يسارًا تحركت رؤوسهم في الاتجاه ذاته، وإذا تحركت يمينًا مالت الرؤوس يمينًا. وختم بالقول:"روى كثيرون أن النبي قال:"إذا بلغ لسان أحدكم أرنبة أنفه دخل الجنة"، ولاذ بالصمت. وإذا بكل من المستمعين يُخرِجُ لسانه، ويحاول جاهدًا أن يوصله إلى أنفه في منظر مضحك جدًّا.
فما كان من العتابي إلا أن التفت إلى صديقه قائلًا: ألم أقل لك إنهم...؟!
أُسقط بيد صديقه ولم ينبس ببنت شفة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |