قسم علم الاجتماع بجامعة سرت يستعيد نبضه الأكاديمي: قراءة في فاعلية المرأة وكوابح التمكين

حسين سالم مرجين
2026 / 5 / 22

شاركتُ بالأمس الخميس 21 مايو 2026م في مناقشة رسالة ماجستير متميزة بعنوان (وسائل الإعلام الرقمي وعلاقتها بالمشاركة السياسية للمرأة الليبية)، تحت إشراف الدكتورة دليلة حامد، وبحضور عضوية الدكتورة سالمة مسعود في لجنة المناقشة. وتكتسب هذه المناقشة أهمية استثنائية لكونها عُقدت في جامعة سرت بعد انقطاع للمناقشات الأكاديمية بقسم علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية دام قرابة 15 سنة؛ الأمر الذي يعيد الروح العلمية ويمنح قسم علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية دفعة جديدة من الزخم والتفاعل.
في الحقيقة، شدّني عنوان الرسالة بشكل كبير؛ لما يحمله من ربط ذكي بين وسائل الإعلام الرقمي وآليات المشاركة السياسية للمرأة الليبية. كما أود التأكيد على الدور الفاعل والمحوري للمرأة الليبية في صياغة المشهد العام ومواكبة التحديث الحاصل في ليبيا؛ إذ كانت المرأة في طليعة الفاعلين والمحركين لأحداث عام 2011 في شرق البلاد وغربها.
وفي هذا الصدد، تُحيلنا الذاكرة الجمعية إلى تلك المشاهد الرمزية التي ساهمت في تشكيل الرأي العام وتحريك الشارع آنذاك. ففي طرابلس، شكّلت حادثة فندق ريكسوس لامرأة تحدثت عن تعرضها لانتهاكات من قبل قوات النظام السابق، ما يُعرف في علم الاجتماع بـالصدمة الأخلاقية الجمعية؛ ورغم الزخم التعبئوي والسياسي الذي أحدثته في حينها، إلا أن السرديات والشهادات اللاحقة قدمت قراءات تفكيكية مغايرة حول دقة تفاصيلها وسياقاتها الوظيفية. وفي بنغازي، برزت حادثة صراخ امرأة من شرفة عمارة محذرة: (جونا.. جونا أصحاب القبعات الصفر)، لتقدم نموذجاً حيًا للفعل الاجتماعي المحفز، وتجسد الدور المحوري للمرأة كفاعل اتصالي ومحرك للشارع في الأوقات المفصلية. ومن منظور سوسيولوجي، لم تكن تلك اللحظات المكثفة رمزيًا سببًا بنيوي كامن وراء الانفجار الاجتماعي، بل عملت كـشرارات اتصالية ومحفزات شعورية سرعت من وتيرة الشحن العاطفي الجمعي، وعجّلت بالتحولات السياسية والاجتماعية لعام 2011 في مسارها العام.
وفي إطار الفاعلية النسوية في فضّ النزاعات، أستحضر أنني اقترحت ذات مرة على أحد زملائي من الجنوب الليبي تنظيم جلسة حوارية بين نساء قبيلته ونساء قبيلة أخرى؛ سعياً إلى إنهاء النزاعات المسلحة المستمرة بينهما، وبخاصة خلال الفترة ما بين 2013 و2016. ومع الأسف، قوبل مقترحي حينها بغضب شديد من الزميل؛ إذ ظن في قراءةٍ خاطئة أنني أستهزئ برجال قبيلته أو أنقص من قدرهم. غير أن المفارقة سرعان ما تجلّت لاحقاً عندما رعت بعثة الأمم المتحدة لقاءً بين نساء القبيلتين في تونس، وأسفرت تلك الجهود النسوية الحكيمة عن إنهاء النزاع المسلح الذي استنزف طاقات المنطقتين لسنوات.
ما أود قوله هنا، بوضوح، هو أن للمرأة الليبية دورًا حاسمًا وجوهريًا في كثير من الأحداث والمنعطفات التاريخية في ليبيا، لكنها غالبًا ما تظل طرفًا غير مرئي في المشهد السياسي الرسمي. ومن ثمّ تبرز اليوم حاجة ملحّة لتسليط الضوء على هذا الدور، وإدراجه ضمن قراءة واقعية للتحولات السياسية والاجتماعية.
وفي سياق مناقشة هذه الدراسة وأبعاد عنوانها، يتجلى الدور المحوري للمرأة في تعزيز استقرار المجتمع والعبور به من بيئة العنف والنزاع إلى مسارات المصالحة الوطنية والتماسك الاجتماعي . ولعل من أبرز المفارقات السوسيولوجية التي كشفت عنها الدراسة أن نصف أعضاء هيئة التدريس في جامعة سرت من النساء.
وهذه النسبة العالية قد تدفع البعض إلى التساؤل: كيف يتوافر هذا الزخم العددي، والتراكم المعرفي، والوعي بالدور المجتمعي ومع ذلك لا نلمس تمكينًا أو مشاركة سياسية توازي هذا الحجم؟
وهنا تجدر الإشارة سريعًا إلى خصوصية مدينة سرت؛ فهي من المدن الليبية القليلة التي لم تشهد بالقدر ذاته الذي شهدته مدن أخرى، حروبًا أهلية أو نزاعات داخلية بين سكانها. بل إن الحروب والنزاعات المسلحة التي دارت على أرضها كانت غالبًا مفروضة عليها وبشكل خارجي عن إرادة أهلها.
وعلى الرغم من أن المدينة تضم في نسيجها الاجتماعي عشرات القبائل الليبية، وفي ظل الانقسام الحاد الذي شهده المجتمع الليبي بعد التحولات، وما نتج عنه من فرز لمناطق وقبائل بوصفها منتصرة أو منهزمة أو متضررة، فإن هذا التصدع لم يجد له طريقًا داخل سرت. فقد حافظت المدينة على تماسكها الاجتماعي العضوي المستدام ، وحتى في أحلك الظروف حين انقسمت الآراء والتوجهات السياسية بين أطراف النزاع، ظل سكان سرت محتفظين بمساحات من التسامح الاجتماعي مع الآخر المختلف.
وأمام هذه اللوحة الاجتماعية المتماسكة، يمكنني الجزم بأن لنساء مدينة سرت وتحديدًا النخبة الأكاديمية والمثقفة منهن دورًا غير مرئي ولكنه حاسم في إدارة واحتواء التوترات المجتمعية بالمدنية بالتالي في تعزيز السلم الأهلي ورأب الصدع الاجتماعي، وتخفيف معاناة الأهالي، بما يجعل سرت نموذجًا لمرونة المجتمع وقدرته على التعافي والتعايش السلمي.
ومع ذلك، أوضحت الدراسة أن ضعف المشاركة السياسية للمرأة لا يعود إلى غياب الرغبة الذاتية لديها، وإنما يرجع إلى جملة من الكوابح البنيوية والسوسيولوجية التي تحكم المجتمع. إذ تتدخل سلطة القبيلة والموروث الثقافي المحافظ في إعادة إنتاج الأدوار التقليدية للمرأة داخل نسق الأسرة؛ مما يجعل اقتحامها المجال السياسي محفوفًا بالحرج الاجتماعي، في ظل توجس القوى القبلية المهيمنة من إعادة تشكيل المراكز الاجتماعية السائدة والمحافظة على مكانتها التاريخية.
وفي ظل هذه التحديات، يطرح الإعلام الرقمي نفسه كبيئة تعويضية بديلة، تساعد على تجاوز بعض الكوابح البنيوية وتخطّي الحواجز التي تُفرض على أرض الواقع. ومن هذا المنطلق، كشفت الدراسة عن مؤشر دلالي بالغ الأهمية؛ إذ تبين أن 30% من حجم العينة المستهدفة من النساء الأكاديميات واللواتي يشكلن أكثر من 55% من أعضاء هيئة التدريس من النساء الأكاديميات في جامعة سرت يستخدمن وسائل التواصل الاجتماعي بأسماء مستعارة وهمية.
يعكس هذا المؤشر بوضوح تلك المفارقة العميقة: رغبة المرأة الواعية في التعبير والمشاركة من جهة، وفي المقابل حجم الضغوط الاجتماعية التي تُجبرها من جهة أخرى على التخفي لممارسة حقها في الظهور والطرح العلني. وبهذا المعنى، توضّح النتائج أن القيود الاجتماعية لم تختفِ، بل انتقلت ظلالها إلى الفضاء الافتراضي، لتعيد إنتاج منطق الحرج والرفض ضمن الآليات الرقمية المتنوعة.
وبناءً على ذلك، تسعى الدراسة في عمقها إلى الإجابة عن تساؤل جوهري وهو : هل ينعكس هذا الكم من الثقل الأكاديمي والمعرفي للمرأة والوعي المرتبط به على أدوارها ومشاركتها السياسية؟ سواء في الفضاء العام لمدينة سرت أو على مستوى الدولة ككل. كما تحاول البحث ما إذا كان الإعلام الرقمي ينجح بالفعل في تجسير الفجوة القائمة بين التمكين الأكاديمي للمرأة وبين تمكينها السياسي الفعلي.
عموماً، تأتي هذه الدراسة كعمل علمي رصين وجدير بالاهتمام؛ إذ تحاول رسم خرائط اجتماعية دقيقة لتلك العلاقات التمكينية للمرأة، مع تركيز خاص على الخصوصية السوسيولوجية لمدينة سرت. وفي سياق متصل رسم الباحث ضمن إطار الدراسة عددًا من المسارات والآفاق البحثية الواعدة التي تفتح الباب واسعًا للمراجعة والدراسة، وتشكّل نقاط انطلاق جديدة وجديرة بالبحث من قِبل الباحثين في المستقبل.
ختاماً، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى جامعة سرت، وإلى كلية الآداب، وإلى قسم علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، لإتاحة الفرصة لي للمشاركة في هذه المناقشة العلمية المثمرة. كما أُتقدّم ببالغ الشكر إلى الأستاذة المشرفة الدكتورة دليلة حامد على جهودها القيمة ورعايتها العلمية لهذا العمل، وإلى الباحث على هذا الجهد متمنياً لهما دوام التوفيق، ومزيداً من العطاء والأثر البحثي المتفرد في المسيرة العلمية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن