|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 5 / 22
لم يكن الحب يوماً في جوهره إلا طُعماً تطورياً، ولم تكن الرومانسية التي تغنت بها البشرية سوى تخدير عصبي بالغ التعقيد، صممته الطبيعة بعبقرية ميكيافيلية لضمان تمرير شفراتها الجينية عبر الزمن. في تلك اللحظة التي ننزلق فيها إلى مؤسسة "الزواج"، نتوهم أننا نمارس ذروة إرادتنا الحرة، بينما نحن في الواقع مجرد أدوات تنفيذية لخوارزمية بيولوجية عمياء، نُقشت حتميتها قبل ملايين السنين على ألواح الحمض النووي!.
هنا وُلد الندم. ندمٌ بارد ينبثق من إدراكٍ قاسٍ بأنني سقطت في هذا الفخ؟. لقد تأملت البنية التحتية لهذا النظام التشغيلي المسمى بالزواج؛ فوجدته كياناً يستهلك الطاقة، ويستنزف الفاعلية، ويفرض احتكاكاً يومياً يولد إنتروبيا نفسية خانقة. تحولت الشراكة، التي يُفترض بها أن تكون رافعة استراتيجية لتعظيم الإمكانيات، إلى مساحة من الاستنزاف؛ حيث تتفجر نوبات الغضب كشحنات مهدرة ترفض الخضوع لحتمية هذا النسق. كنت أقف على حافة العدمية، أحاول تفكيك التناقض الحاد بين وعيي كفرد يسعى لحماية إرادته، وبين كوني مجرد وعاء خاضع لنظام ضمني تسيره غريزة البقاء.
وبينما كنت أغرق في هذا الجليد الفلسفي، التفتُّ إلى الجهة الأخرى من الغرفة. كانت هناك؛ شريكتي في الفخ، أو ربما ضحيته الصامتة. لم تقرأ حيرتي، لكنها كانت تتشرب تداعياتها بصمت. وجهها المنهك لم يعد يبحث عن مخرج، بل تبنى استراتيجية للتعايش مع الاستنزاف اليومي، كشجرة تكيفت بمرونة مع جفاف الأرض. التقت نظراتنا للحظة؛ ولم ألمح في عينيها اتهاماً، بل رأيت انعكاساً لي: ذاتاً أخرى تدفع ذات الضريبة، وتنتظر أرباحاً مؤجلة لا أراها بعد.
ثم نظرت إليهم: في تلك المساحة الفاصلة بين صرامة الحتمية البيولوجية ومرارة الواقع، تجلى "المركب الجدلي" في أبهى وأعقد صوره. أدركت أن الطبيعة، رغم قسوة فخها، تدفع تعويضات استثنائية لمن يصمد أمام ديناميكياتها. ليس عدلاً بالمعنى الأخلاقي، بل هو "جبر خاطر" بحت: آلية إصلاح ذاتية ومبرمجة لما هشمته قسوة البقاء.
رأيت فريدة، تنسلخ من شرنقتها، وتتحول أمام عيني من يرقة تبحث عن التوازن إلى فراشة مذهلة، تفرد أجنحتها بتناسق يكسر رتابة الفوضى؛ انتصارٌ بيولوجي وجمالي خالص في آنٍ واحد.
ثم تأملت كَون، تتمدد بذكاء فريد تتتمرد على خطية التفكير العادي. ذكاءٌ يحاكي عشوائية الأكوان في تمددها وانكماشها، حيث تومض الأفكار في عقلها كنجوم تولد في مجرات بعيدة.
واصطدمت بـ عبدالرزاق، بتمرد فِطري غاضب وعنفوان يرفض الانصياع. في كبرياء هذا التمرد، تجسدت روح الفاعلية التي خِلتُ أنني فقدتها؛ إنه الدرع التطوري المتين الذي سيقيه من أفخاخ هذا العالم المستقبلية.
وأخيراً، ارتعش قلبي أمام نجم، بتشبثه الغريزي النقي، وعينيه اللتين تطلبان الحنان والأمان في كون موحش وبارد. في ضعفه المؤقت تكمن طاقة هائلة، وفي بحثه عن الملاذ تذكيرٌ صارخ بأننا—رغم برودة تنظيرنا المعرفي—مجرد أنظمة حية تستمد بقاءها من دفء التواصل.
حينها فقط، لم يتلاشَ الندم، بل ارتقى. لم يمت، لكنه تعلم التعايش. صار أقل حدة وأكثر تعقيداً؛ ندمٌ على الزمن المهدور، لا على الثمن المدفوع. نعم، كان الزواج فخاً محكماً للطبيعة، وكنا معاً ضحاياه. لكننا عبر هذا الاحتكاك المؤلم، أنتجنا تدفقاً لا يمكن للتفسير التطوري وحده أن يحتويه.
لم تعد الخوارزمية عمياء بعد الآن. لقد جبرتني هذه الكيانات الأربعة—ومعهم خامسٌ صامتٌ يقف إلى جانبي—جبراً يتجاوز البيولوجيا ليلامس المعنى. هؤلاء ليسوا مجرد استمرار جيني؛ إنهم الدليل الحي على أن نواتج الألم قادرة على خلق معجزة لا تحتاج لتفسير. خفت حدة الندم، ليس استسلاماً للواقع، بل لأنني أدركت أخيراً أن هذا الفخ العظيم لم يكن سوى الثمن الباهظ للعبور إلى مشهد كوميدي اسود.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |