السلطة في أزمنة الفوضى: بين -الزعيم الطوطم- و-الفاعل التاريخي-:

احمد كانون
2026 / 5 / 21

​هناك نوعان من الزعماء: الأول، هو نتيجة إفراز قاعدة شعبية؛ صنعته الجماهير لغاية نفسية جمعية لمواجهة حالة من الـ "أنوميا" (فقدان المعايير واليقين)، وفي الغالب هو "طوطم" كُلّف بما ليس هو. والثاني، هو زعيم قدم فكرة وحلاً ألهم به قاعدة شعبية، هي في أمس الحاجة والعوز للتغيير.
​هذا المدخل ليس مجرد توصيف سياسي عابر، بل هو تفكيك لجدلية السلطة. إن صعود القيادات في التاريخ البشري ليس حدثاً خطياً بسيطاً، بل هو استجابة ديناميكية لـ "النظام الكامن" (Implicate Order) الذي يحكم حركة المجتمعات في لحظات الأزمات والتحولات الكبرى.
​الزعيم الطوطم: صنيعة الأنوميا وإسقاطات العجز!:
​عندما تنهار الهياكل التقليدية وتدخل المجتمعات في حالة من السيولة وفقدان البوصلة، يرتد العقل الجمعي لا شعورياً إلى غرائزه البدائية باحثاً عن النجاة. في هذه اللحظات، لا يبحث الجمهور عن خطة استراتيجية أو هيكل مؤسسي للإنقاذ، بل يبحث عن "مُسكّن" نفسي يعيد له وهم السيطرة. هنا يتم إفراز الزعيم الأول: "الطوطم"؟!.
​هذا الزعيم لا يمتلك وكالة حقيقية، بل هو مجرد وعاء فارغ تُسقط عليه الجماهير مخاوفها، أحلامها، وعجزها. لقد كُلّف بدور يتجاوز قدراته الموضوعية؛ فهو لم يصعد بمشروع، بل صعد بـ "حالة". هو محكوم بديناميكية القطيع، يقوده العقل الجمعي المضطرب أكثر مما يقوده هو.
​من التاريخ: يمكن قراءة صعود ماكسيميليان روبسبير إبان الثورة الفرنسية كنموذج فاقع لـ "الزعيم الطوطم". لقد أفرزته حالة الرعب والفوضى التي اجتاحت فرنسا بعد الانهيار المفاجئ للنظام الملكي. لم يمتلك روبسبير حلاً هيكلياً مستداماً لبناء الدولة، بل تحول إلى طوطم لـ "الفضيلة الدموية" التي أسقطت عليها الجماهير غضبها وانتقامها. وبمجرد أن استنفد هذا الطوطم غايته النفسية وتبددت نشوة الجماهير، افترسته الحالة ذاتها على المقصلة!.
​الفاعل التاريخي: مهندس التوليفة الجدلية وصانع الحل:
​على النقيض تماماً، يبرز النوع الثاني من القيادة؛ الزعيم الذي يمتلك وكالة حقيقية (Evolutionary-Machiavellian Agency). هذا القائد لا يكتفي بالاستثمار في الفراغ النفسي، بل يقرأ التناقضات التاريخية ويدرك بعمق حالة "العوز للتغيير" التي تعتصر القاعدة الشعبية.
​إنه يتدخل في قلب الفوضى ليقدم فكرة أو مشروعاً يمثل "توليفة" (Synthesis) بالمعنى الجدلي. هو لا يساير الغرائز الجمعية العشوائية، بل يعيد هيكلتها وتوجيهها نحو نظام جديد؛ مقدماً حلاً ملموساً يضمن بقاء وتقدم المجتمع.
​من التاريخ: النموذج الأبرز هنا هو أوتو فون بسمارك في ألمانيا. واجه بسمارك قاعدة شعبية ألمانية مشتتة بين إمارات متناحرة، تعيش حالة من الضعف أمام القوى الأوروبية المحيطة، وفي أمس الحاجة لهوية وكيان يحميها. لم يتحول بسمارك إلى صنم شعبوي يستجدي عواطف الألمان، بل قدم "حلاً" وفكرة مركزية: توحيد ألمانيا بالدم والحديد. لقد استخدم فهمه العميق للجدلية التاريخية والمناورات الاستراتيجية ليلهم الجماهير ويقودهم نحو بنية دولة صلبة (الرايخ الثاني)، محولاً الحاجة العميقة للتغيير إلى واقع جيوسياسي غيّر وجه أوروبا.
​كذلك، يمكن النظر إلى لي كوان يو في سنغافورة كمهندس لتوليفة حديثة؛ فقد تسلم مجتمعاً ممزقاً عرقياً ومطروداً من الاتحاد الماليزي (في ذروة الأنوميا)، لكنه لم يلعب دور المعزي النفسي، بل فرض حلاً عملياً صارماً حوّل به مستنقعاً إلى واحدة من أقوى النمور الاقتصادية.
​خلاصة القول: إن الفارق بين الزعيمين هو الفارق بين العَرَض والعلاج. الأول تعبير عن مرض المرحلة ومحاولة المجتمع تخدير نفسه، وهو محكوم بالانهيار بمجرد اصطدامه بصلابة الواقع لأنه مجرد انعكاس لحالة انفعالية. أما الثاني، فهو محفز التطور؛ الفاعل الذي يستخدم قواعد اللعبة لكسر الجمود، خالقاً نظاماً جديداً من رحم الفوضى. التاريخ قد يرفع الطواطم مؤقتاً، ولكنه لا يُصنع إلا بأيدي مهندسي الحلول.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن