|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 5 / 21
سؤال طالما طرحته وبالخصوص موجّه إلى الباحثين والأساتذة والطلبة في ليبيا وكانت تجربتي مع هذا السؤال واحدة: لم أتلقَّ جوابًا، رغم أني نشرت المقال في مجموعة تضم أكثر من 300 أستاذ وباحث متأصلين في هذا المجال.
واليوم أكرر التساؤل ذاته: لماذا نكتب؟ هل الهدف هو الترقية العلمية؟ أم مجرّد استجابة لحاجة مجتمعية ملحّة؟ أم أنّ الأمر تحوّل تدريجيًا إلى نوع من الإدمان الرمزي يدفعنا إلى القلم دفعًا لا إراديًا: ضرورة قصوى لا يمكن مقاومتها؟
لكن دعونا من كل ذلك. سأفترض أن الصمت ليس دليلًا على غياب معنى، بل دليلًا على صعوبة الاعتراف به. سأجيب عن التساؤلات بنفسي. لست أكتب بدافع تجاوز أحد أو إزاحة زملاء، وإنما لأن الصمت حين يُسأل سؤالًا عميقًا يكون أحيانًا هو الجواب الوحيد.
أنا أكتب كما ذكرت في مقالاتي السابقة لأنني أحتاج إلى أن أعيش. لقد صارت الكتابة جزءًا من الهواء الذي أتَنفسه، ونبضًا يتدفق في القلب. أكتب كي لا أموت. قد تبدو هذه العبارة غامضة للبعض، أو ذاتية جدًا لآخرين، لكنها بالنسبة إليّ الحقيقة المطلقة.
في هذا المعنى، لم تعد الكتابة منشورًا أكاديميًا فقط، بل أصبحت حياة؛ وأصبحت في الوقت نفسه أداة تكيف مع الوقائع والأشياء. صرتُ أرى أن العيش بدون الكتابة صار مستحيلًا: ليست الكتابة ترفًا معرفيًا، بل طريقة للبقاء، وبوصلة داخلية لإعادة ترتيب الألم، وتحويله ولو جزئيًا إلى فهم.
إذن، أصبحت الكتابة ذلك الحوار المكتوب بيني وبين الوقائع والظواهر المعاشة؛ إنها استنطاق لتفاصيل الحياة اليومية، ونبش في المسكوت عنه، وكشف للمضمر. وبهذا المعنى، هي ببساطة توثيق للذاكرة، لا الارتهان لخوارزميات الآلة بوصفها الحافظة الوحيدة لتلك الوقائع.
إنها عملٌ دؤوب على تدوين الأحداث بتفاصيلها الدقيقة، على نحو يجعل من الممكن—في لحظة لاحقة—أن يجد أحدٌ ما كان يبحث عنه داخل هذه الصفحة. لذلك ليس من الضروري دائمًا أن نصل إلى تفسير فوري لكل شيء؛ فبعض الظواهر تحتاج زمنًا كي تتشكل دلالاتها، وليتضح لنا ما هي عليه، وكيف ينبغي تعريفها وفهمها.
وفي أحيانٍ أخرى، أجدني أكتب دون أدنى التزامٍ بتلك القوالب الجاهزة؛ القوالب التي فُرضت علينا كشرط ضمني لقبول النشر العلمي. في نظري، هذه القوالب لم تُنتج بالضرورة معرفةً أكثر دقة، بل جعلت بعض العقول تراوح مكانها في دائرة التفكير المكرّر والتدبر المتوقّف عند حدود المقبول. وعاجزة، بالتالي، عن الانعتاق من الـقـالـب، وعن ممارسة الإبداع.
لهذا، يأتي ترتيبٌ صارمٌ لقواعد البحث من المقدمة والأهمية، إلى الأهداف والتساؤلات ليتحول مع الوقت إلى قيدٍ، أتعمد اليوم القفز فوقه وتجاوزه. وليس في ذلك نسيانٌ للقواعد، ولا إعلانٌ ضعفٍ في استيعاب المنهج، بل هو تمرد مقصود وواعٍ: محاولة لاستعادة الكتابة بوصفها فعلًا معرفيًا حيًّا، لا مجرّد مطابقة شكلية لشروط القبول.
هذا السياق تستحضرني واقعة مهمّة: حين قدمتُ ورقةً علمية إلى مجلة وطنية محكَّمة، ثم تواصلتُ مع رئيس تحريرها عارضًا رغبتي في النشر. ربما دفعه شيءٌ من الخجل إلى عدم رفض طلبي مباشرة، فقال لي: أرسل لي ورقتك .
وبعد فترة، وقبل أن تُحال الورقة إلى التقييم الرسمي، اتصل بي رئيس التحرير تمهيدًا ومحاولةً لتلطيف الصدمة. قال لي بصوتٍ يوحي بالحذر: أعلم أنك من الباحثين الذين يتقبلون النقد برحابة صدر، حتى إن كان قاسيًا. أدركتُ فورًا أن الورقة قد رُفضت.
ثم وصلني التقييم. كان لا يتجاوز خمسة أو ستة أسطر باهتة، تتبنّى حكمًا جاهزًا دون ملامسة فعلية لجوهر الورقة: غير مؤهلة للنشر لأنها مجرد تجميع لأفكار غير مترابطة. والأكثر إثارة للسخرية أن المقيم استخدم كلمة ورقية بدل ورقة وهي زلّة لغوية كاشفة. لم تكن مجرّد خطأ مطبعي؛ بل كانت مثل بصمة صغيرة عرفتُ منها ملامح المقيم، ومن يكون.
تلقيت تلك الأسطر وقرأتُها عشرات المرات. وفي كل مرةٍ كنتُ أكتشف فيها خطأً لغويًا أو نحويًا فادحًا سقط فيه المقيم نفسه. لم أتمهل في الرد؛ فكتبتُ إلى زميلي رئيس التحرير بضع كلمات مفادها أن لغة المقيم العربية لم تكن مؤهلة أصلاً لقراءة الورقة وفهمها. وأن التقييم المحال إليّ يعجّ بأخطاء ليست طباعية فحسب، بل تشي بعدم القدرة على التحقق مما طُلب منه.
غير أن زميلي لم يتقبل هذا النقد العكسي برحابة صدر؛ فلم يتحمل المواجهة، واتصل بي معاتبًا بنبرة غاضبة.
لم تمر سوى أيام قليلة حتى أعدتُ إرسال المقالة نفسها إلى مجلة عربية مرموقة. وبعد أشهر، جاءني الرد بقبول الورقة ونشرها كما هي، دون طلب تعديل.
وشاءت الأقدار بعد سنة أن ألتقي بذلك الزميل (رئيس التحرير). سألني عن مصير الورقة، فقلت له بكل صدق: لقد خدمتني خدمة العمر عندما رفضتم نشرها، وأنا ممتنّ لك جدًا. ثم حين علم أنها نُشرت في مجلة عربية كبرى، بدت عليه الدهشة، ولم يكن راضيًا أو مستريحًا لإجابتي كما لو أن الحقيقة لم تعد قابلة للتفسير وفق السرد الذي حاول ترسيخه منذ البداية.
وعلى أي حال، فإن ما أود قوله وتأكيده هو: سأظل أكتب، حتى لو رُفض نشر ما أخطّه مراراً وتكراراً؛ فـروحي وقلمي لن يُقّيدَهما قالب، وسأجد دائمًا بقعة ضوء أخرى تحتضن هذا الفكر.
وفي إحدى المرات، كتبتُ مقالًا نقديًا ناقشتُ فيه أداء وزارة التعليم العالي؛ وما إن نُشر حتى اتصل بي الوزير شخصيًا معاتبًا بنبرة حادة. لم أسمح له بتجاوز حدود الحوار، فقاطعته بعبارة حاسمة قلت فيها: ليس هناك من يملك سلطة منعِي من الكتابة، حتى أنت بوصفك وزيرًا! وتوقف الحديث بيننا عند هذا الحد.
هذا الموقف برأيي يؤكد أن الكتابة في جوهرها موقف أخلاقي صلب. فنحن الباحثين في علم الاجتماع لا نتفرّج على الوقائع المعاشة بدافع شغف عابر أو هواية؛ بل نكتب لنسجل تلك الأحداث بدقة، لكي نرى أنفسنا كأفراد وكجماعة بشكل أفضل وكما يرانا الآخرون لا كما نحب أن نرى أنفسنا في مرآة الوهم.
إن الكتابة في علم الاجتماع ليست ترفًا بحثيًا يطلب تساؤلات باهتة، ولا سعياً لإثبات فرضيات معلبة؛ بل هي ذاكرة جمعية ندوّن عبرها الوقائع والأشياء كما هي، من دون طلاء أو تجميل. ومن ثم ننتقل من التوثيق إلى التشخيص والتحليل والتفسير، وصولاً إلى اجتراح معالجات حقيقية.
وبذلك، لا تتحول الكتابة إلى نقد اجتماعي مستمر للواقع، بل إلى سعي دؤوب لتقديم حلول وبدائل يمكن اختبارها على الأرض.
وربما أكون قد أجبت الآن ولو جزئيًا عن السؤال المطروح في بداية المقالة: لماذا نكتب في علم الاجتماع؟ ورغم أن هذه الإجابات قد تظل بحاجة إلى صقل وتنقيح وإضافة مزيد من التفاصيل، ولكن سأكتفي بهذا القدر من الطرح في الوقت الراهن.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |