|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 5 / 21
لا تحتاج نتائج الكبت والحجب في بعض المجتمعات إلى إحصائيات معقدة لإثبات فشلها! ؛ فيكفي أن تسير في الشارع لتلاحظ حجم الخلل السلوكي والهوس الجنسي الذي يسيطر على شريحة واسعة من الأفراد بمجرد مرور امرأة؟! . نظرات وتصرفات لا تمنعها طبقات الثياب السوداء، ولا شعارات الفضيلة. في المقابل، نجد في المجتمعات وبيئات العمل التي تعتمد الاختلاط الطبيعي تناغماً وتركيزاً على الإنتاجية، حيث يغيب للعيان هذا الشغف المَرَضي.
لفهم هذه الظاهرة بعيداً عن التفسيرات الفارغة! أو الوعظية، يجب الولوج إلى نواة التشريح العصبي للسلوك البشري، لنعرف كيف تحولت الغريزة من محرك طبيعي إلى "كرة ثلج" مدمرة.
من "مخ الزواحف" إلى شبكات الدماغ الحديثة:
تاريخياً، استند الكثيرون إلى نظرية "الدماغ الثلاثي" (Triune Brain) للعالم بول ماكلين، والتي قسمت الدماغ إلى: مخ الزواحف (للغرائز البقاء)، النظام الحوفي/العاطفي (للمشاعر)، وقشرة المخ (للوظائف العليا والوعي). ورغم أن هذا النموذج كان مفيداً لتوصيل الفكرة ببساطة، إلا أن علم الأعصاب الحديث أثبت أن الدماغ لا يعمل كطبقات منفصلة تتصارع فيما بينها، بل يعمل كـ شبكات عصبية مترابطة ومعقدة.
السر لا يكمن في استيقاظ "مخ زواحف" قديم، بل في استجابة نظام كيميائي دقيق يُعرف بـ نظام المكافأة في الدماغ (Brain Reward System)، وتفاعله مع قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex) المسؤولة عن المنطق والتحكم في الاندفاعات.
1. علم أعصاب الحرمان: "نظرية التحسس التحفيزي"
في علم الأعصاب، يُترجم الحرمان إلى ما يُعرف بـ "عقلية الندرة" (Scarcity Mindset). تشير الأبحاث، وتحديداً دراسات (Berridge & Robinson) حول نظرية التحسس التحفيزي (Incentive Sensitization Theory)، إلى أن الحرمان الطويل من دافع بيولوجي (كالطعام، الأمان، أو الجنس) يُحدث تغييراً في مسارات هرمون "الدوبامين".
• فرط التحسس: عندما يُحرم الإنسان من التفاعل الطبيعي، تصبح المستقبلات العصبية مفرطة الحساسية (Hypersensitive) تجاه أي محفز متعلق بالموضوع المحروم منه.
• الانفصال بين الرغبة والاحتياج: الدوبامين لا يمنح الشعور بالمتعة، بل يمنح الشعور بـ "الرغبة المُلحة" (Wanting). الحرمان الجنسي والفصل المجتمعي يحول أي تفصيل يخص المرأة (صوت، ظل، لباس) إلى محفز هائل يطلق شلالاً من الدوبامين، مما يخلق حالة من "الرغبة الهوسية" التي تتجاوز الاحتياج الطبيعي.
2. اللدونة العصبية (Neuroplasticity) والتعود الاجتماعي
لماذا تختفي هذه النظرات الهوسية في بيئات العمل المشتركة؟ الإجابة تكمن في التعود العصبي (Neural Habituation).
• الدماغ البشري يتميز بـ "اللدونة"، أي قدرته على تشكيل مسارات عصبية جديدة بناءً على البيئة.
• في المجتمعات المفتوحة، التعرض المستمر واليومي للجنس الآخر يُفعّل أجزاء من الدماغ مرتبطة بـ الإدراك الاجتماعي (Social Cognition) التعاطف، والعمل الجماعي. الدماغ هنا يعتاد على المحفز (المرأة)، فيقل إفراز الدوبامين المرتبط بالإثارة، ويتوقف العقل عن تصنيفها كـ "هدف جنسي مكلف ومكافأة نادرة"، ليعاملها كـ "إنسان وشريك".
• بينما في بيئات العزل، لا يحصل الدماغ على فرصة "التعود". تبقى الخرائط العصبية مبرمجة على أن الجنس الآخر هو "محفز غريزي خالص ومحظور"، مما يبقي حالة الاستنفار قائمة دائماً.
3. انهيار قشرة الفص الجبهي تحت ضغط الكبت
قشرة المخ، وتحديداً الفص الجبهي (Prefrontal Cortex - PFC)، هي "الراكب البارع" الذي يحاول السيطرة على "الثور الهائج" (الغرائز والانفعالات الصادرة عن اللوزة الدماغية Amygdala).
وفقاً لأبحاث علم الأعصاب الإدراكي، فإن قدرة قشرة الفص الجبهي على كبح الاندفاعات (Inhibitory Control) تستهلك طاقة ذهنية كبيرة.
• الإرهاق الإدراكي: العيش في بيئة تعتمد على الكبت المستمر، وتجريم الغرائز الطبيعية، والتخويف المجتمعي والديني المفرط، يضع الدماغ في حالة توتر مزمن (Chronic Stress).
• التوتر المستمر يفرز هرمون الكورتيزول الذي يضعف من كفاءة قشرة الفص الجبهي. النتيجة؟ يفقد "الحاكم" سيطرته، وتتولى المراكز البدائية في الدماغ (المسؤولة عن ردود الفعل السريعة والمندفعة) قيادة السلوك. هذا يفسر لماذا قد يتورط أشخاص يبدون أسوياء أو متدينين في سلوكيات تحرش لاإرادية أو غير منطقية.
برمجة العقل الشرقي:
العقل الشرقي في هذا السياق ليس قاصراً جينياً، بل هو عقل تمت برمجته بيئياً بشكل خاطئ. إنه عقل يعمل تحت تأثير "ندرة" مصطنعة، مدعوماً ببيئة اجتماعية (النظام الحوفي) تعزز الفصل، وتحت قيادة قشرة مخية منهكة من التناقضات بين الموروث الثقافي والواقع البيولوجي.
الحرمان لا يخلق الفضيلة، بل يخلق تشويشاً في الخرائط العصبية. الفضيلة الحقيقية والعفة الإنسانية لا تولد من إغلاق الأبواب بإحكام وإخفاء المحفزات، بل من "التعود"، وتدريب الدماغ عبر الاختلاط الصحي لتطوير قشرة فص جبهي قادرة على الإدراك الاجتماعي السليم، حيث يُنظر إلى المرأة ككيان عقلي وروحي وصديقة وشريكة، وليس كمكافأة بيولوجية نادرة يجب اقتناصها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |