|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 5 / 20
لا أظننا نبالغ في القول إن هذا النوع من الاعلام بات من الماضي، في عصر الفضاء المفتوح وتدفق المعلومات. وليس من المغالاة في شيء القول إن متحف التاريخ أولى به، في زمن تعدد مصادر المعلومات وسهولة الإفادة منها.
هو اعلام الحكومات، غير المؤهل ليكون اعلام دولة. فأظهر مخازيه تزييف الوعي، وأقل سقطاته تغييب التحليل الموضوعي، وأفقع معايبه التعمية على الحقائق.
منفصم عن الواقع، ومنفصل عن هموم المواطن وقضاياه. وبالتالي، فاقد للمصداقية وغير جدير بثقة الجمهور.
اعلام اللحن الواحد بالضرورة مدابر لطبائع البشر، حيث الاختلاف في الرؤى والتباين بالاجتهادات إزاء الأحداث والتطورات في صميمها. وعليه، يبدو كأنه نتوء نشاز في زمن التعددية والانترنت حيث المعلومة تلاحق الانسان حتى غرفة نومه.
أما الأسوأ من اعلام على هذه الشاكلة، فهو محاولة مكيجته وتبرير نهجه. هنا، تحضر قصة المثل المتداول:"القرد بعين أمُّه غزال"، وهي جديرة بأن تروى لعلاقتها الوثيقة بالصدد.
القصة قديمة، تعود إلى العصر الروماني الموغِل في القِدَم. تفيد القصة بأن حاكمًا أمر بإجراء مسابقة للحيوانات الجميلة، لاختيار أجملها ومنحه جائزة.
بدأت الحيوانات تمر واحدًا تلو الآخر أمام الملك والحضور، أولها الغزال يتباهى برشاقته، وفي نيته أنه الفائز لا محالة. فعيونه مضرب المثل في الجمال والصفاء. وجسده الممشوق، مُلهِم الشعراء والأدباء في نسج أرق مقطوعات الغَزَل. بعد الغزال، جاء دور الطاووس ينشر جناحيه زهوًا واختيالًا، للفت انتباه كل من يشاهده والاناث بشكل خاص. ثم جاء دور الزرافة، تشد الناظرين بطول رقبتها الفارع وخطواتها الانسيابية المتناغمة. بعد الزرافة، مرَّ سيد الغابة الأسد، يسير بخطى واثقة، حيث تجتمع فيه الشجاعة والهيبة. ويتجلى جماله في تناسق بنيته العضلية، وفروه الذهبي.
كاد الحاكم ينهض لاعلان الفائز، لكن فوجيء بجلبة. قبل أن يستجلي الأمر، لمح قردة أحضرت ابنها القرد تستعرض "جماله" وسط استغراب المحيطين بها لاثنائها عما تفعل واقناعها بمغادرة المكان حالًا، كي لا تشوه المسابقة. لكنها اصرَّت على موقفها بالمرور أمام الحاكم مصطحبة ابنها القرد، وزادت على ذلك الاصرار على أنه "من أجمل الحيوانات". وعندما بلغ موقفها الحاكم، كاد ينقلب على ظهره من الضحك، قائلًا:"اتركوها، القرد في عين أمه غزال". مُذَّاك، ذهبت هذه القولة مثلًا.
هذا هو حال اعلام اللحن الواحد في عيون مواطني الدول المبتلاة به، مع أنهم لم يعودوا بحاجته في عصر تكنولوجيا الاتصال والفضاء المفتوح، مدشن واحدة من أعظم التحولات التاريخية.
أغلب الظن أن مساحات اعلام اللحن الواحد انحسرت كثيرًا في عالم اليوم، ونرجح أن وجوده بات محصورًا في البلدان العربية بشكل رئيس. وهذه وصمة مشينة بالمناسبة، بالنظر إلى مدلولاتها. فالاعلام لا يصدر لوحده، بل يُصدِرهُ بشر هم جزء من مجتمع له ثقافته. بهذا المنظور، فإن اعلام العزف على لحن "الحكومات" يقوم دليلًا على غياب ثقافة الحوار ومحاولة فرض رؤية أحادية بعينها. إنها سمات الثقافة المأزومة، وأخص تبدياتها اقصاء الرأي المختلف ورفض التنوع. لا مِرية بأن ثقافة الاقصاء واستبعاد الرأي المختلف تُنتِج الاستبداد، وتغذي السلطوية بمختلف ضروبها وتطبيقاتها. وهو ما يعزز أدلة أزمتها بمعايير العصر، ويكسبها المزيد من المصداقية.
الثقافة المأزومة غير واثقة بنفسها، وإلا لما اضطرت لاقصاء الرأي المختلف ورفض التعددية.
هذا هو واقع حال اعلام اللحن الواحد، وقد تحول إلى عبءٍ على المجتمعات وسُبَّة في جبينها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |