حكاية الخجل: من فزع البدايات إلى ارتقاء الإنسان:

احمد كانون
2026 / 5 / 19

بابتسامة وادعة، ألقى صديقي جملته العابرة و هو يمدح احدهم: "أنه شخص خجول، طيبٌ و مهذب" . رددها متاتاليات!، كأنها يقين لا يتطرق إليها الشك، أو حكمة أصيلة صاغتها الأيام ولا تقبل الجدال او الفصل! . غير أن شيئاً ما في داخلي توقف طويلاً عند تلك الكلمات. العبارة ذاتها، والنبرة نفسها، لكنها تجلت لي فجأة كقذيفة موقوتة، تحمل في طياتها معنىً أكثر غوراً.. وأشد قسوة.
تساءلت في سري: من أين ينبع الخجل؟ ولماذا نربطه دوماً بالتهذيب؟ هل التهذيب حقاً فضيلة أخلاقية سامية، أم أنه مجرد قناع أنيق يخفي وراءه خوفاً سحيقاً؟
رقصة البقاء في الغابة الأولى! :
قادني التفكير إلى مشهد خيالي، لكنه يلامس جوهر الحقيقة:
في غابة أفريقية موغلة في القدم، كان قرد يافع يتنقل بين الأغصان. لمح أنثى فاقترب يغازلها بحركات فطرية بريئة. لكن لسوء طالعه، كان زعيم القطيع يقف بالجوار، يرمقه بنظرات صارمة لا تعرف الهوادة.
لم يجرؤ القرد الصغير حتى على رفع عينيه نحو الزعيم. لقد نطقت غريزة البقاء فيه قبل أن يستوعب عقله الموقف: سَمّر بَصَره في الأرض، طأطأ رأسه، وارتجف جسده متقوقعاً على ذاته. لم يكن هذا الانكسار "تهذيباً" بمقاييسنا المعاصرة، بل كان إعلاناً صامتاً بالهزيمة، وطاعةً عمياء، وتوسلاً غريزياً للنجاة.
تأمل الزعيم هذا المشهد، ولما رأى الخوف يتجسد أمامه، تراجع. فما الداعي لافتراس من رفع راية الاستسلام مسبقاً؟
على مر آلاف السنين، تكررت هذه الرقصة البقائية: ذكور تتجرأ على الاقتراب، زعماء تظهر فجأة، ورؤوس تنحني نحو التراب. ومع تعاقب الأجيال، تعقدت اللعبة وتطورت. لم يعد خفض البصر كافياً، بل صاحبته وجنات تحتقن بالدم، وأجساد تتصبب عرقاً، وأنفاس تضيق، وأصوات تختنق. كانت هذه التطورات الفسيولوجية لغةً أكثر بلاغة وإقناعاً في إثبات الخضوع.
وهذا المزيج المتوارث.. هو ما أطلقنا عليه لاحقاً اسم الخجل.
جينات الخوف وأقنعة الحضارة!.
وها نحن في عصرنا الحاضر. ذلك القرد المذعور لم يفنَ، بل سكن عميقاً في شفرتنا الجينية. كل إنسان يولد حاملاً أثراً من ذلك المشهد البدائي. فحين يخطئ الطفل، يحمر وجهه ويخفض بصره. وحين نقف أمام حشد من الناس، تقرع قلوبنا كالطبول. وحين نتلقى كلمة قاسية، نلوذ بالصمت والانسحاب بدلاً من المواجهة والصراحة.
نحن نغلف هذه التفاعلات بأسماء رقيقة كـ "الحياء"، أو "اللباقة"، أو "الحساسية". لكن الجذر القابع تحت كل هذه التسميات واحد: إنه الخوف. الخوف من العقاب، الخوف من الرفض، والخوف من الإقصاء والنبذ.
ومثله مثل الحرباء التي تتلون فزعاً من الخطر لا حياءً من الناظرين، وكالأرنب الذي يتسمر في مكانه رعباً من المفترس لا احتراماً لمروره؛ نحن البشر تفوقنا في فن التمويه. لقد أخذنا الخوف البدائي وصنعنا منه فناً، ثم أسبغنا عليه مسميات براقة: الاحترام، اللياقة، الذوق، والتواضع.
من الخضوع إلى الإنسانية! :
في هدوء المساء، جلست أسترجع صدى جملة صديقي: "الخجل من الثدييات إلى البشر... شخص خجول ومهذب!".
أدركت حينها حقيقة كانت غائبة عني: ربما لا يوجد تهذيب يخلو من خوف دفين، ولا خجل يخلو من خضوع عتيق يتوارثه الأبناء عن الآباء منذ فجر التاريخ.
غير أن الروعة الحقيقية في القصة تكمن في قدرة الإنسان المتفردة على تحويل هذا الخوف الغريزي إلى جسر للتواصل الوجداني. الخجل في نسخته الإنسانية الحديثة لم يعد مجرد استسلام أعمى، بل غدا أداة نبيلة تعكس:
حساسية مرهفة تجاه مشاعر الآخرين.
تواضعاً حقيقياً يكبح جماح الأنا.
نافذة شفافة تطل على روح رقيقة تخشى أن تخدش أرواح من حولها.
ولعل هذا ما قصده صديقي بنبرته الفخورة. لعله رأى في ذلك الخجل إنساناً أتقن ترويض الخوف القديم، وصاغ منه إنسانية راقية وواعية.

الخجل ليس وصمة ضعف، بل هو ذاكرة حية تذكرنا بأيام كنا فيها كائنات خائفة تصارع للبقاء. أما التهذيب، فهو ذلك الثوب الحريري الجميل الذي حاكته الأجيال لتستر به عورة الخوف، ليتحول من علامة على الذل إلى وسام للوعي والرقي.
في نهاية المطاف، ربما نحن جميعاً كائنات مهذبة، نطأطئ رؤوسنا أحياناً، وتتورد وجناتنا بخجل، لنثبت للعالم.. أننا ارتقينا لنصبح بشراً.
و أخيراً طرحت سؤال على نفسي:" هل عدم الرد على صديقي و اكتفائي بكتابة هذه الخاطرة؛ هو بسبب الخجل ذاته الذي اصابني!؟".

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن