|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 5 / 17
في أوموفيا، كان الأوراكل يجلس في كهفه المقدس، يتكلم بلسان الآلهة، يقرر من يُقتل ومن يُنفى ومن يُبارك. لم يكن أحد يجرؤ على مساءلة مصدر هذه السلطة، لأن مساءلتها تعني الخروج على النظام الرمزي برمته. في السودان الراهن، لم يختف الأوراكل، بل تعددت تجلياته. القبلية المسلحة والتكفير السياسي هما أوراكل العصر الجديد، يؤديان ذات الوظائف الطبقية الأربع: تشريع التراتبية، تفريغ الطاقة الاحتجاجية، إدارة العنف بلغة مقدسة، وشل الاستجابة الجماعية. الفارق أن أوراكل أوموفيا كان منتجاً محلياً، بينما أوراكل السودان يُصنع في ورش النخبة المحلية ويمول من الخارج، ويُبث عبر شاشات فضائية لا عبر كاهنة عجوز.
القبلية السودانية كما نراها اليوم ليست امتداداً عضوياً لبنى قبلية أثرية، بل هي نتاج سياسي استعماري وإسلاموي صُنع بعناية ليحل محل الأوراكل القديم في وظيفته الطبقية. الإدارة البريطانية، في تطبيقها لسياسة "الحكم غير المباشر"، حوّلت هويات سائلة ومتداخلة إلى قبائل بحدود إدارية وزعماء معينين وسجلات ثابتة. هذه القبلية الإدارية كانت جهازاً أيديولوجياً بامتياز: جعلت الصراع على الموارد الطبيعية (الأرض، الماء، المراعي) يبدو صراعاً قبلياً، وشرعنت توزيع الثروة عبر الانتماء لا عبر العمل، وألهت الفقراء عن عدوتهم الطبقية الحقيقية. نظام الإنقاذ الذي حكم السودان ثلاثة عقود ورث هذه القبلية وطوّرها وصنع منها أوراكل جديداً يتناسب مع دولة الريع. لم يعد الأوراكل يتكلم عبر كاهنة، بل عبر "الزعيم القبلي" و"ناظر القبيلة" و"إدارة الحكم الأهلي" التي أصبحت مرجعاً في توزيع الأراضي وحل النزاعات.
أوراكل القبلية يؤدي وظيفة تشريع التراتبية بنفس آلية "التشي" في أوموفيا. "التشي" هو الروح الشخصية في معتقد الإيغبو، التي يُعتقد أنها تحدد حظ الفرد ونجاحه وقوته في الحياة؛ فمن يمتلك "تشي" قوياً هو من تختاره الآلهة للثراء والمكانة، ومن يمتلك "تشياً" ضعيفاً محكوم عليه بالفقر والإقصاء. هناك، كان الرجل الغني يمتلك "تشي" قوياً يثبت أنه مختار إلهياً. هنا، القبيلة "الكبيرة" أو "العريقة" أو "المستعربة" تعلو على قبائل أخرى، وتُشرع سيطرتها على الموارد والإدارة. الفقير المنتمي إلى قبيلة "قوية" يشعر بكرامة وهمية تعوضه عن فقره الحقيقي، فلا يسأل لماذا يتضور جوعاً بينما أبناء قبيلته من النخبة يسرقون عائد الذهب. الأوراكل القبلي لا يحتاج إلى إثباتات مادية؛ يكفي أن تردد الفضائيات وشيوخ القبائل أن "هذه القبيلة هي الأصل" أو "هذه القبيلة حمت الثورة" أو "هذه القبيلة تُظلم". الخطاب يعيد إنتاج نفسه، والفقير يصدق لأنه يريد أن يصدق أن له قيمة ولو رمزية.
أما وظيفة تفريغ الطاقة الاحتجاجية، فالأوراكل القبلي يؤديها بكفاءة تفوق أوراكل أوموفيا. في أوموفيا، كانت الطقوس السنوية تحوّل التوترات الاجتماعية إلى احتفالات جماعية تمنح الفقير شعوراً مؤقتاً بالكرامة. في السودان، تعمل المهرجانات القبلية واللقاءات التشاورية واحتفالات "الصلح" بنفس الآلية. حين يجتمع أبناء القبيلة في مؤتمر "لم شمل" أو "صلح قبلي"، يُصرفون عن تنظيم أنفسهم حول مطالب طبقية مشتركة. الطاقة التي كان يمكن أن توجّه نحو المطالبة بتوزيع عادل للثروة أو إنهاء الحرب، تُصرف في بكائيات على "كرامة القبيلة" و"إرث الأجداد". الأوراكل هنا لا يكذب، بل يعيد توجيه الغضب المادي إلى قنوات آمنة للنخبة.
وظيفة إدارة العنف بلغة مقدسة هي الأكثر وضوحاً في أوراكل القبلية اليوم. قوات الدعم السريع تجند شبابها تحت راية "حماية الهامش" و"كرامة العربي" و"الرد على إهانات الأفارقة". الجيش يجند تحت راية "حماية الدولة" و"الدفاع عن الأمة". في كلتا الحالتين، يُقدّم القتل على أنه واجب قبلي أو وطني، وليس كعمل عنف طبقي يحمي مصالح النخبة. الشاب الفقير الذي يقتل شاباً فقيراً آخر من قبيلة مختلفة يصدق أنه يدافع عن "أهله" أو "أرضه"، بينما الحقيقة أنه يموت من أجل منجم ذهب لا يملك فيه سنتيمتراً واحداً. أوراكل القبلية يقدس العنف تماماً كما قدس أوراكل أوموفيا قتل التوائم وإعدام إيكيميفونا: كلاهما يضع الدم في خدمة نظام يحمي ثروة القلة.
وظيفة شل الاستجابة الجماعية هي تتويج عمل الأوراكل القبلي. في أوموفيا، انتظر الشيوخ إشارة الأوراكل قبل مقاومة البريطانيين، فتفرقت الجماهير وانهارت المقاومة. في السودان، تتفرق الجماهير اليوم بين رايات قبلية متناحرة، فلا تتشكل جبهة موحدة ضد طرفي الحرب اللذين يستنزفان البلاد. كل جماعة قبلية تنتظر "زعيمها" أو "ناظرها" ليقول لها بماذا تفعل، والزعماء إما متواطئون مع طرفي الحرب أو خائفون على امتيازاتهم. النتيجة أن المقاومة الشعبية تبقى مشلولة، والجماهير تائهة بين أوراكل القبيلة وأوراكل الدين وأوراكل الإعلام المأجور. لا أحد يفكر ببساطة: من يستفيد من استمرار قتالنا؟
التكفير هو الوجه الآخر لأوراكل السودان الجديد. الإسلام السوداني التقليدي، بطرقه الصوفية ومزارات للأولياء، كان يتسامح مع التنوع ويستوعب الموروثات الأفريقية. هذا الإسلام كان أقل قابلية للتوظيف السياسي، لأنه ينتج شبكات تضامن أفقية (الطريقة، الزاوية، المريدون) يصعب السيطرة عليها من الأعلى. مشروع الإنقاذ الإسلاموي عمل لعقود على استبدال هذا الإسلام الصوفي المرن بإسلام سلفي صارم، أكثر تجريداً وأسهل تسليحاً. السلفية لا تنتج شبكات تضامن أفقية، بل تنتج فرداً مسلحاً أيديولوجياً، منفصلاً عن مجتمعه التقليدي، جاهزاً للتجنيد تحت راية "الجهاد" أو "الدفاع عن الأمة". هذا الفرد هو المادة الخام التي يصنع منها أوراكل التكفير جنوده.
في الحرب الراهنة، لا يظهر التكفير الصريح بشكل واسع، لكن آليته تشتغل في الخفاء. خطاب الجيش عن "حماية الدولة والأمة من المرتزقة" يحمل نبرة دينية واضحة: الدولة والأمة في هذا الخطاب كيانان مقدسان، والخروج عليهما خيانة كبرى. حين يُقدَّم أي نقد للجيش على أنه "طعن في الدين" أو "خيانة للوطن"، يُسد باب السؤال المادي: لماذا يموت جنود الجيش الفقراء بينما يتضخم ثراء قادته؟ أوراكل التكفير، مثل أوراكل أوموفيا، يغلق باب النقد تحت تهديد الكفر أو الخيانة. والناس يصمتون، ليس لأنهم مقتنعون، بل لأن الصمت أقل كلفة من المواجهة مع سلطة تقدس نفسها.
الربط بين أوراكل أوموفيا وأوراكل القبلية والتكفير ليس تشبيهاً مجازياً، بل هو ربط بنيوي. في أوموفيا، آمن الفقراء أن فقرهم نتيجة ضعف "التشي" (الروح الشخصية التي تحدد حظ الفرد)، وتقبلوا قتل أطفالهم باسم الأوراكل، وتفرقوا عن مقاومة المستعمر انتظاراً لإشارته. في السودان، يؤمن فقراء دارفور أن عدوهم ليس جنرالات الذهب بل القبيلة المجاورة، ويتقبلون موت أبنائهم باسم "الكرامة القبلية" أو "حماية الدولة"، ويتفرقون عن تشكيل جبهة موحدة ضد طرفي الحرب الذين ينهبون البلاد. الأداة تغيرت، لكن الوظيفة الطبقية واحدة: إنتاج إذعان الفقراء لاستغلالهم.
كسر أوراكل القبلية والتكفير لا يتم بالنقد المجرد ولا بالخطاب القومي الجامع. النقد المجرد يظل نخبوياً لا يصل إلى قلب الفقير الذي يحتاج إلى إجابات فورية عن معاناته. والخطاب القومي الجامع (مثل "السودان أولاً" أو "شعب واحد") يُختطف بسهولة من طرفي الحرب ويُستخدم ضد الفقراء أنفسهم. الجيش يتحدث عن "السودان الواحد" بينما يدمر الخرطوم. الدعم السريع يتحدث عن "أبناء الهامش" بينما يهرب الذهب إلى الإمارات. البديل الوحيد هو ربط كسر الخرافة بمطالب مادية فورية: أرض، خبز، ممرات آمنة، وقف لإطلاق النار لا يشترط ولاءً قبلياً أو دينياً. حين يكتشف الفقير الدارفوري أن الفقير الكردفاني يريد نفس ما يريد، وأن الذي يمنعه منهما معاً هو تحالف النخبة المسلحة مع الإمارات ومصر وروسيا، عندها يبدأ أوراكل القبلية بالانهيار.
ما يحدث في السودان اليوم هو إعادة إنتاج لمأساة أوموفيا على نطاق أوسع وبأدوات أكثر تطوراً. أوموفيا انهارت لأن أوراكلها شل قدرتها على التمييز بين عدوها الحقيقي وعدوها الوهمي. السودان ينهار اليوم لأن أوراكل القبلية والتكفير يشغلان الفقراء بقتال بعضهم بينما النخبة تتقاسم الذهب والموانئ والإعانات الخارجية. كسر هذا الأوراكل ليس رفاهية نظرية، بل شرط بقاء. كما قال روزا لوكسمبورغ: "أولئك الذين لا يتحركون لا يشعرون بقيودهم". الفقراء في السودان يتحركون لكن قيودهم مخفية خلف أقنعة القبيلة والدين. فضح هذه الأقنعة هو الخطوة الأولى نحو تحويل طاقتهم من القتال بالوكالة إلى التنظيم الطبقي.
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |