أمراضنا

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 5 / 16

نقول أمراضنا بلا فخر طبعًا، لأنها من أفقع أدلة تخلف أنماط التفكير السائدة في مجتمعاتنا، وفي مقدمة أسباب هزائمنا وأخطرها. يتصدر هذه الأمراض توظيفات الدين المأساوية، تليها القابلية للانقسامات الداخلية على أرضيات مذهبية أو جهوية أو طائفية ولا ننسى العشائرية والقَبَلِيَّة.
يخطيء من يظن أن الصهيوأميركي يهزمنا بالسلاح، فهناك ما هو أخطر يوظفه ويجيد توظيفه في الوقت المناسب.
لاحظوا تركيز العدو الصهيوني على نزع سلاح حزب الله، وهو يعلم صعوبة ذلك إلى حد الاستحالة. لكنه يتغيَّا تحقيق هدف آخر أبعد من ذلك وأخطر، وهو دفع لبنان في أتون حرب أهلية لا تُبقي ولا تَذَر. حينها، لا قدر الله، يستطيع تثبيت احتلاله لجنوب لبنان وتوسيعه أيضًا حتى نهر الليطاني، وتوجيه ضربات قاسية للمقاومة.
مثال آخر، غير بعيد زمنيا، ويخص العراق الشقيق، ولكن هيهات منا التعلم.
بعد الاحتلال في نيسان 2003، اشتعلت مقاومة عراقية لفتت أنظار العالم، وبالفعل تأذت أميركا من ضرباتها، وكادت تهرب من العراق بدءًا بمحافظة الأنبار. فماذا فعلت أميركا في مواجهة المقاومة؟!
لم تحشد مزيدًا من القوة، البشرية والمادية، فلديها منها فائض كبير آنذاك في العراق والمنطقة. لكنها لجأت إلى ما هو أخطر وأكثر فتكًا وأقل تكلفة . استخدمت أميركا أحد أخطر أمراضنا، ويتعلق بالتوظيفات الكارثية للدين، ونعني ثنائية سنة- شيعة. ففي يوم 22 شباط 2006، حصل تفجير المرقدين في سامراء. في الأثر، اشتعلت حرب أهلية غبية في العراق، على أساس مذهبي (سني- شيعي)، وفي المحصلة استطاعت أميركا على يد جنرالها بيترايوس تصفية المقاومة خلال بضعة اشهر.
مقصود القول، أمراضنا هي الكفيلة بهزيمتنا وليس ما لدى الصهيوأميركي من أسلحة.
والغريب العجيب المريب، تشبثنا بهذه الأمراض، وعلى وجه التحديد المنبثقة من الفهم القروسطي العشائري للدين والقابلية للإنقسام على أسس مذهبية وجهوية وطائفية وقبائلية واثنية.
لاحظوا تعامل كثيرين منا، بناء على أنماط التفكير المهيمنة في مجتمعاتنا، مع العدوان الصهيوأميركي الظالم ضد إيران. نمط التفكير المقصود لا يرى الأمور من زاوية ان العدو ذاته، الذي يحتل فلسطين ويتوسع في سوريا ولبنان، ويقتلنا كل يوم بالسلاح الاميركي، ويهدد بإقامة خرافة اسرائيل الكبرى، هو ذاته الذي يعتدي على إيران. المهم في نظر من يفكر على هذا النحو البائس أن إيران "شيعية" و "فارسية". غباء جهنمي من هذا النوع، يضع كل من يفكر على هذه الشاكلة في خندق العدو أراد ذلك أم لم يُرِد.
الشيء ذاته ينسحب على حزب الله، في لبنان. الحزب مشتبك مع العدو في معركة مقاومة بطولية، بكل ما لديه من إمكانات متواضعة مقارنة بما يتلقى الكيان من أميركا. لكن بعضنا يقف منه موقفًا عدائيًّا لا يقل عن موقف إسرائيل، وذلك من زاوية الثنائية القروسطية الغرائزية الغبية، سنة- شيعة. مصيبة، عن جد مصيبة. أسباب هزائمنا في رؤوسنا، وليس في قوة العدو.
بالتأكيد، هناك من يحرس هذه الأمراض، ويسهر على مدار الساعة ليطمئن على وجودها وفاعليتها. وهم المستفيدون من تجلياتها وتمظهراتها، ونعني الصهيوأميركي والأنظمة التسلطية الاستبدادية. أما الأسباب، فلا نراها بحاجة إلى مزيد بيان
وتبيين.
وليس يفوتنا التذكير بدور اعلام الأنظمة واعلام الصهيوأميركي في تغذية أمراضنا، بتزييف الوعي ونشر الأكاذيب والتعمية على الحقائق.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن