|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 5 / 16
دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ ترامب إلى تجنب الوقوع في "فخ ثوقيديدس".
ماهو هذا الفخ؟!
قبل أكثر من ألفي سنة صعدت أثينا بسرعة اقتصادياً و عسكرياً، فشعرت إسبرطة القوة المهيمنة وقتها بالخوف من فقدان مكانتها و هذا الخوف خلق توتراً متصاعداً انتهى بحرب مدمرة بين الطرفين.
كتب المؤرخ اليوناني ثوقيديدس أن السبب الحقيقي للحرب لم يكن حادثة معينة، بل خوف القوة القديمة من صعود القوة الجديدة، و من هنا جاء مصطلح فخ ثوقيديس.
ظهر هذا المصطلح مجدداً عام 2012 في مقال الباحث في جامعة هارفارد، غراهام أليسون الذي استخدمه لتفسير الصراع بين أمريكا و الصين و تفترض هذه النظرية أن التاريخ يدفع قوة راسخة و قوة صاعدة نحو الصدام.
و قد استخدم شي جين بينغ و مسؤولون صينيون آخرون هذه الفكرة للتأكيد على ضرورة تجنب الصين و الولايات المتحدة لهذا المصير.
قال شي جين بينغ لترامب : "مع تسارع التحول الذي يحدث مرة واحدة في القرن، و مع تغير المشهد الدولي و اضطرابه وصل العالم إلى مفترق طرق جديد.
هل تستطيع الصين و الولايات المتحدة تجاوز فخ ثوقيديدس و إرساء نموذج جديد للعلاقات بين القوى العظمى؟!"
هنا تحديداً تبدأ أهمية فخ ثوقيديدس في تفسير طبيعة التوتر المتصاعد بين واشنطن و بكين.
ظهر مصطلح فخ ثوقيديدس بوصفه تحذيراً تاريخياً أكثر من كونه قانوناً حتمياً، فالفكرة الأساسية لا تقول إن الحرب بين القوة الصاعدة و القوة المهيمنة أمر لا مفر منه، بل تشير إلى أن الخوف و سوء الحسابات و انعدام الثقة قد يدفع الدول الكبرى إلى صدام لا يريده أحد لكنه يصبح تدريجياً أقرب من السلام نفسه.
يرى كثير من الباحثين أن العلاقة بين الولايات المتحدة و الصين تحمل ملامح مشابهة لما حدث بين أثينا و إسبرطة و إن اختلفت الأدوات و الظروف.
فالصين خلال العقود الأربعة الماضية تحولت من دولة نامية و فقيرة نسبياً إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم و وسعت نفوذها التجاري و التكنولوجي و العسكري بشكل غير مسبوق.
بينما تنظر الولايات المتحدة في المقابل إلى نفسها باعتبارها القوة التي قادت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية و ترى أن صعود الصين قد يهدد هذا التفوق.
لكن التوتر الحالي لا يتمثل فقط في الجيوش و الأسلحة، بل في الاقتصاد و التكنولوجيا و سلاسل التوريد و الذكاء الاصطناعي و الرقائق الإلكترونية و حتى النفوذ الثقافي. فالحرب الباردة الجديدة لا تشبه تماماً الحرب الباردة بين أمريكا و الاتحاد السوفيتي لأن الصين ليست معزولة عن الاقتصاد العالمي، بل هي جزء أساسي منه.
و لهذا فإن أي صدام مباشر بين الطرفين لن يهدد دولتين فقط، بل قد يهز الاقتصاد العالمي بأكمله.
و من هنا يمكن فهم إصرار شي جين بينغ على الحديث عن تجاوز فخ ثوقيديدس حيث تحاول الصين أن تقدم نفسها كقوة صاعدة لا تريد إسقاط النظام الدولي بالكامل، بل إعادة تشكيله بطريقة تمنحها دوراً أكبر كما تخشى واشنطن أن يتحول هذا الدور الأكبر إلى مشروع هيمنة جديد يزيحها تدريجياً عن قمة النظام العالمي.
المشكلة أن التاريخ مليء بالأمثلة التي بدأت فيها الحروب بسبب الخوف المتبادل أكثر من الرغبة المباشرة في القتال. أحياناً لا تكون الأزمة الكبرى سوى شرارة صغيرة فوق بحر من الشكوك و التوترات و هذا ما يجعل ملفات مثل تايوان و بحر الصين الجنوبي و العقوبات الاقتصادية و التنافس التكنولوجي نقاطاً شديدة الحساسية، فكل خطوة من طرف تفسر لدى الطرف الآخر باعتبارها تهديداً استراتيجياً.
و مع ذلك هناك اختلافات جوهرية بين عالم اليوم و عالم اليونان القديمة، فالقوى الكبرى الآن تمتلك أسلحة نووية تجعل الحرب الشاملة كارثة جماعية لا منتصر فيها كما أن الاقتصاد العالمي مترابط بصورة تجعل الانفصال الكامل شبه مستحيل.
فالصين تحتاج الأسواق الأمريكية و أمريكا تحتاج التصنيع الصيني و العالم يحتاج الطرفين معاً، لهذا يعتقد بعض المفكرين أن فخ ثوقيديدس ليس قدراً تاريخياً، بل اختباراً للقدرة السياسية والعقلانية الاستراتيجية.
أي أن السؤال الحقيقي ليس هل ستتحارب أمريكا و الصين؟! بل هل تستطيع القيادتان إدارة التنافس دون تحويله إلى مواجهة شاملة؟!
تحاول بكين أن تروج لفكرة التعايش بين القوى الكبرى بينما تتحدث واشنطن عن المنافسة المسؤولة لكن بين الشعارين تبقى الحقيقة أكثر تعقيداً، فكل قوة عظمى تريد حماية مصالحها و كل قوة صاعدة تريد مساحة أكبر من النفوذ و التاريخ يعلمنا أن أخطر اللحظات ليست لحظة التفوق الكامل، بل لحظة انتقال القوة من طرف إلى آخر.
و ربما لهذا السبب يبدو العالم اليوم و كأنه يعيش مرحلة انتقالية مضطربة حيث نظام دولي قديم لم ينته تماماً و نظام جديد لم يولد بعد.
و في مثل هذه اللحظات تكثر الحروب بالوكالة و الأزمات الاقتصادية و الاستقطابات الحادة و محاولات بناء التحالفات الجديدة.
إن عبارة شي جين بينغ ليست مجرد اقتباس تاريخي، بل رسالة سياسية عميقة موجهة إلى واشنطن و العالم معاً، إذا كان التاريخ قد دفع قوى كبرى سابقاً إلى الحرب، فهل يستطيع قادة القرن الحادي و العشرين كسر هذه القاعدة لأول مرة؟؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد شكل العالم في العقود القادمة، هل يتحول التنافس الأمريكي الصيني إلى صراع مدمر يعيد تشكيل العالم بالقوة أم إلى توازن جديد يفرض على الجميع التعايش داخل نظام دولي متعدد الأقطاب؟!
حتى الآن لا أحد يملك الإجابة النهائية لكن المؤكد أن العالم كله سيدفع ثمن أي خطأ كبير بين القوتين الأكبر على الكوكب.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |