|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 5 / 15
لا تزال زيارة الباحثة الأمريكية ليزا أندرسون إلى ليبيا تطرح بداخلي كباحث سوسيولوجي تساؤلات ملحّة، تتجاوز البُعد الأكاديمي العابر لتمسّ جوهر السيادة المعرفية، خاصة فيما يتعلق حول كيفية استغلال الأطراف الدولية لغياب التوثيق الوطني الليبي، وتوظيف هذا الفراغ لضخ سرديات تاريخية وسياسية عبر المنصات الرقمية؛ بما يهدد الأمن المعرفي للدولة، ويصنع وعياً زائفاً ومنفصلاً عن الجذور الوطنية.
ولا يعني هذا الطرح بالضرورة أن كل ما تقدمه أندرسون أو غيرها من الباحثين الأجانب هو بالضرورة مشوَّه أو غير حقيقي. غير أن الإشكالية تكمن في زاوية الرؤية وفي أدوات التحليل. ومن هذا المنطلق، بات من الضروري اعتماد المقاربة المؤسساتية للمسألة؛ بحيث تتولى مؤسسات الدولة الليبية تشكيل فريق وطني من خبراء علم الاجتماع والتاريخ والعلوم السياسية، تكون مهمته في ظل هذه الظروف الاستثنائية مواجهة السرديات المشوّهة وتفكيكها، أو تلك التي تسعى إلى اختراق الهوية الوطنية وإحداث خلل في الذاكرة الجمعية.
وهي مهمة ليست بالسهلة، لكنها تتطلب وعياً وإدراكاً عميقين بأهمية هذا الجدار الوطني الفكري، وحمايته من أي اختراق معرفي
وفي هذا السياق، يستحضر الفكر السوسيولوجي ما ذكره عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه المرجعي طبيعة المجتمع العراقي؛ حيث روى واقعة دالّة لباحث مستشرق كان يدرس المجتمع المحلي. فبينما كان هذا المستشرق يتجول، شاهد رجلًا بدويًا يشتري قماشًا من تاجر متجول؛ وظل البدوي يفاوض بحدة لتخفيض السعر، ويُلِحّ على نزع درهم واحد أو أقل كأن الأمر معركة مصيرية. لكن مع غياب الشمس وتأخر الوقت، انقطع السبيل بالتاجر، فما كان من البدوي إلا أن استضافه في خيمته، وقام بذبح خروف له تكرمةً لضيافته، وهو ما يفوق ثمنه عشرات الدراهم.
وقف المستشرق الأجنبي عاجزًا ومندهشًا أمام هذا التناقض السلوكي: كيف يصارع البدوي باستماتة من أجل درهم، ثم ينفق بسخاء عشرات الدراهم ذاتها لصالح الشخص نفسه؟
هنا تبرز عبقرية التحليل السوسيولوجي المحلي؛ إذ سارع علي الوردي إلى تفكيك المشهد، موضحًا أن البدوي في الحالة الأولى تحرّك من منطلق عقلية الغزو والمغالبة؛ فعملية الشراء لديه هي فعل رمزي انتصار يثبت فيها ذكاءه بغضّ النظر عن قيمة المال. أما في الحالة الثانية، فقد تبدّل النمط الإدراكي للبدوي؛ إذ لم يعد الرجل أمامه تاجراً ومنافساً، بل تحول إلى ضيف مستجير، وهنا تحرك بدافع قيم الضيافة والمروءة الراسخة في بنية البداوة.
إن هذه الحادثة التاريخية تؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، أهمية الحذر من عمليات التحليل والتشخيص التي يقوم بها الآخر (الأجنبي)، والتي قد تسقط في فخ التشويه أو التفسير الخاطئ والسطحي لظواهر اجتماعية حقيقية وعميقة. ومن ثم، فإن صناعة جدار الصد المعرفي الليبي وتوثيق الذاكرة الوطنية بأقلام وخبرات محلية، هو السبيل الوحيد لفهم الذات وصيانة الهوية من التفكك.
إن هذه الحقائق السوسيولوجية تدفعنا بالضرورة إلى إدراك الأهمية الاستراتيجية لصناعة جدار معرفي صلب يحمي عمليات توثيق الذاكرة الوطنية الجمعية من الاختراق المعرفي الأجنبي وتداعياته الحادة على الهوية الوطنية. وهذا يعني، في أعمق دلالاته الفكرية، ضرورة الانتقال إلى فهم الذات عبر الخبرات والكوادر الوطنية؛ باعتبارها صمام الأمان الحقيقي والوحيد الأكثر قدرة على تفسير وتحليل الظواهر والمواقف التي يشهدها المجتمع. وتتضاعف هذه الأهمية تحديدًا في مرحلة ما بعد 2011، باعتبارها مرحلة استثنائية اتسمت باهتزاز وتصدّع ذلك الجدار المعرفي بفعل الأزمات والتدخلات الخارجية.
ولتحقيق هذه الحصانة المعرفية، يتطلب الأمر وضع خطة وطنية واضحة ومعالم استراتيجية محددة للحفاظ على قوة هذا الجدار وتماسكه، من خلال مسارين متوازيين:
المسار الأول : تعليمي وتربوي، ويرتكز على إعادة ضخّ فئة الشباب بجرعات وطنية مكثفة، وتعميق وعيهم الجمعي عبر إجراء مراجعة شاملة ومستمرّة لكتب ومناهج التربية الوطنية. ويهدف ذلك إلى نقل المناهج من طابع التلقين التقليدي إلى طابع يعزز الانتماء، ويسهم في تفكيك السرديات الدخيلة.
المسار الثاني : رقمي وتكنولوجي، ويكون من خلال بناء منصات رقمية وطنية تفاعلية ومواكبة للعصر، تتولى تقديم رؤية وطنية شاملة وموثقة تجاه القضايا التاريخية والسياسية المفصلية؛ بما يضمن حصانة الفضاء الرقمي للشباب ضد الوعي الزائف والتوجيه الخارجي
تأسيسًا على ما تقدّم، يمكن القول إن الدفاع عن الذاكرة الجمعية وصناعة جدار صد معرفي لحمايتها من الاختراق المعرفي الأجنبي يعد جزء سيادي أصيل للمحافظة على الهوية الوطنية وتعزيزها. كما يشكّل هذا الجدار المعرفي القاعدة الصلبة والمنطلق الأساسي نحو بناء مؤسسات دولة قوية ومستقرة وفعّالة؛ فالدولة التي لا تملك زمام سرديتها التاريخية والمعرفية لا تملك قرارها السيادي قبل السياسي.
ويُمثّل هذا الواقع دعوة وطنية ملحّة ومسؤولة للباحثين في مجالات علم الاجتماع والتاريخ والعلوم السياسية؛ تدعوهم إلى تكثيف الجهود والتحلّي بروح المغامرة العلمية، على أن تكون بوصلتهم الموجِّهة هي الهوية الوطنية الجامعة. إن الهدف هنا يتجاوز مجرد المقاومة السلبية للسرديات الدخيلة؛ لينتقل إلى البحث العلمي الجاد، والتشخيص الدقيق، والتحليل العميق للظواهر والمشكلات الاجتماعية بروح وطنية خالصة.
وفي هذا الصدد لا يزال مجتمعنا الليبي في مرحلة ما بعد 2011م يتسم بظواهر ومواقف معقدة لا تزال تنتظر من يفك شفراتها ويفسّرها وفق سياقها المحلي الصحيح، وبما يُعبّر عن مكنونها الثقافي والوجداني الحقيقي. وعليه، فإن هذا الطرح الأكاديمي الوطني هو السبيل الوحيد للنأي بظواهرنا ومجتمعنا عن التدويلات المعرفية المشوّهة وغير الحقيقية، الناتجة أساسًا عن جهل الآخرين بالأنماط الإدراكية والسلوكية الراسخة في بنية المجتمع الليبي.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |