|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 5 / 14
يقول الكاتب و المؤرخ اليهودي يوفال نوح هراري "ان الحيوانات قبل الثورة الصناعية كانت يستخدمها الإنسان في المواصلات والنقل والزراعة والحروب ..الخ لكن بعد الثورة الصناعية احالها الى التقاعد بدل من ايجاد وظائف جديدة لها.
وكذلك الانسان سيحال الى التقاعد بدل من إيجاد وظائف جديده له بسبب صعود الذكاء الاصطناعي و التكنولوجيا المتقدمة."
و ربما هذا يأخذنا الى استنتاج ان البشرية مستقبلاً آيلة الى بطالة عالمية ونظام طبقي كارثي تتحكم به الشركات العملاقة ورؤوس الأموال حيث تخدمهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بينما يترأسوها بنفسهم.
هذه الفكرة تبدو لأول وهلة مبالغاً فيها أو أقرب إلى الخيال التشاؤمي لكن التمعن في التحولات الجارية يكشف أنها ليست مجرد نبوءة أدبية، بل احتمال تاريخي قابل للنقاش. فالذكاء الاصطناعي لا يحل محل الجهد العضلي فقط كما فعلت الآلات الصناعية، بل بدأ ينافس الإنسان في مجالات كانت تعد حكراً على العقل البشري مثل الكتابة، التحليل، الترجمة، التصميم، البرمجة، التعليم، التشخيص الطبي، و حتى اتخاذ القرارات الإدارية و القانونية.
و في كل ثورة تقنية سابقة كان يظهر من يطمئن الناس بأن الوظائف القديمة ستختفي لكن وظائف جديدة ستولد.
و هذا صحيح جزئياً فالثورة الصناعية ألغت أعمالاً كثيرة لكنها خلقت مصانع و مهناً و أسواقاً جديدة.
غير أن الفرق الجوهري اليوم هو أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد مهنة بعينها، بل يهدد فكرة العمل البشري نفسها بوصفها مركز الاقتصاد.
فحين تصبح الآلة قادرة على التعلم و التكيف و العمل ليلاً و نهاراً بكلفة أقل و دقة أعلى، فإن الشركات الكبرى ستفضلها اقتصادياً على الإنسان الذي يحتاج إلى راتب وتأمين و إجازات و حقوق.
و هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، إذا فقد ملايين البشر وظائفهم، فمن سيملك الثروة؟! و من سيملك و سائل الإنتاج الجديدة؟! الأغلب أن الثروة ستتركز أكثر فأكثر بيد الشركات العملاقة التي تملك البيانات و الخوارزميات و البنية التحتية الرقمية. أي أننا قد ننتقل من رأسمالية المصانع إلى رأسمالية الخوارزميات حيث تصبح السيطرة ليست على النفط أو الحديد، بل على المعلومات و الذكاء الاصطناعي و السحابات الرقمية.
في هذا العالم الجديد قد يظهر نظام طبقي أكثر قسوة من الأنظمة القديمة، فبدل الطبقات التقليدية القائمة على الملكية أو النسب قد تنشأ طبقتان أساسيتان :
طبقة صغيرة تمتلك التكنولوجيا و تتحكم بالمعرفة و البيانات و رؤوس الأموال، و طبقة واسعة من البشر لا تملك سوى الاستهلاك أو الاعتماد على الإعانات، أي أن الإنسان قد يتحول من عامل منتج إلى مستهلك فائض عن الحاجة.
و هنا يبرز سؤال فلسفي و أخلاقي خطير، إذا لم يعد الإنسان ضرورياً اقتصادياً فهل سيظل ضرورياً سياسياً و أخلاقياً؟!
يخبرنا التاريخ أن قيمة الإنسان في الأنظمة الحديثة ارتبطت كثيراً بدوره الإنتاجي حيث العامل كان مهماً لأنه ينتج و الفلاح لأنه يزرع و الجندي لأنه يقاتل لكن ماذا يحدث عندما تصبح الآلة أكثر كفاءة في الإنتاج و الطائرات المسيرة أكثر فاعلية في الحرب و الخوارزميات أقدر على الإدارة و التحليل؟! هل ستظل الأنظمة السياسية تنظر إلى الإنسان باعتباره مركز العالم أم باعتباره عبئًا اقتصادياً ينبغي إدارته فقط؟!
هذه المخاوف تتعاظم خصوصاً مع الصعود الهائل للشركات التكنولوجية العملاقة مثل OpenAI و Google و Meta و Microsoft التي تمتلك من البيانات و القدرات التقنية ما يفوق أحياناً قدرات دول كاملة.
فالدولة التقليدية كانت تحتكر القوة العسكرية و القانونية أما اليوم فإن جزء من القوة انتقل إلى شركات تتحكم بالتواصل و المعلومات و السلوك الرقمي و حتى الرأي العام.
و هذا يفتح الباب أمام شكل جديد من الهيمنة لا يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر، بل على السيطرة الناعمة عبر التكنولوجيا و الخوارزميات.
و مع ذلك فإن الصورة ليست سوداء بالكامل، فالتاريخ أيضاً يعلمنا أن التكنولوجيا ليست قدراً مستقلاً عن الإنسان، بل أداة تتحدد نتائجها بحسب النظام السياسي و الاقتصادي و الأخلاقي الذي يديرها.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول إلى وسيلة لتحرير الإنسان من الأعمال الشاقة و الرتيبة و تقصير ساعات العمل و تحسين التعليم و الرعاية الصحية إذا جرى توزيع فوائده بشكل عادل كذلك المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في السؤال من يملكها؟! و لصالح من تعمل؟!
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن الآلة أصبحت ذكية، بل في أن النظام الاقتصادي قد يصبح أكثر جشعاً و أقل إنسانية.
فحين تقاس قيمة البشر بقدرتهم على تحقيق الربح فقط، فإن ملايين الناس قد يتحولون إلى أرقام زائدة في معادلة السوق أما إذا أعيد تعريف التقدم بوصفه خدمة للإنسان لا استبدالاً له، فقد تتحول التكنولوجيا إلى فرصة تاريخية لتخفيف الفقر و التعب و اللامساواة.
و لهذا فإن معركة المستقبل لن تكون فقط معركة تقنية، بل معركة فلسفية و سياسية أيضاً تثار منها العديد من التساؤلات.
هل سيكون الذكاء الاصطناعي أداة لتحرير الإنسان أم لتهميشه؟؟
هل ستقود التكنولوجيا إلى مجتمع أكثر عدالة أم إلى إقطاع رقمي جديد؟!
و هل تستطيع البشرية أن تبني نظاماً اقتصادياً يضمن الكرامة و المعنى للإنسان حتى في عالم لم يعد العمل فيه ضرورة كما كان عبر آلاف السنين؟؟
هذه الأسئلة لم تعد خيالاً علمياً، بل أصبحت جزء من النقاش العالمي حول مستقبل الحضارة نفسها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |