|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 5 / 14
طالما شكلت محاولات قياس التاريخ والتنبؤ بالمستقبل مأزقاً للعقل البشري حين يبحث عن مسطرة خطية ساذجة. في ارتقائنا نحو فضاء ما بعد بعد الحداثة (مرحلة تجاوز التفكيك والسيولة والعدمية المعرفية التي اتسمت بها "ما بعد الحداثة"، والتوجه نحو بناء هياكل توليفية مرنة وقابلة للتكيف تستوعب التعقيد الحتمي)، ندرك أن التاريخ ليس مساراً مستقيماً، ولا فوضى عبثية. لذا، لا نبحث اليوم عن "مسطرة" واحدة، بل نؤسس لنسق معرفي متكامل، ليس بدافع التواضع المعرفي السلبي، بل من منطلق حتمية السيطرة، التكيف، والبقاء.
أطرح هنا أربع "مساطر" حاكمة ومترابطة، تُمثل مجتمعة الأداة الأمثل لفك شيفرات الماضي وتوجيه استراتيجيات المستقبل:
الأولى: مسطرة النظام الضمني (Implicate Order)
(مفهوم صاغه الفيزيائي "ديفيد بوم" يشير إلى أن الأحداث الظاهرة، أو "النظام الصريح"، ليست سوى تجليات سطحية وانطواءات لترتيبات هيكلية ومصفوفات أعمق تتفاعل في الخفاء).
الماضي لا يُقرأ عبر سلاسل سببية مباشرة أو شبكات تأثير بسيطة، بل بفهم كيف تترابط المتغيرات وتُطوى داخل هذا النظام المبطن قبل أن تنفجر وتتجلى على السطح. التنبؤ هنا ليس تخميناً عشوائياً للاحتمالات، بل قراءة تحليلية صارمة لكيفية انبثاق هذا النظام الكامن إلى واقع ملموس.
الثانية: مسطرة التراكم الكمي والقفزة الجدلية (Hegelian Dialectics)
(المنطق الهيغلي الذي يفسر حركة التاريخ والمجتمع كصراع حتمي بين المتناقضات، حيث تؤدي التراكمات البطيئة والمستمرة إلى نقطة انكسار حرجة تخلق تحولاً كيفياً جديداً كلياً).
التاريخ الساكن وهم؛ فالموجات الطويلة كالتغيرات المناخية أو الديموغرافية لا تسير بسلام انسيابي، بل تتصادم حتمياً مع قوى النقيض. لتتنبأ بالمستقبل، لا تكتفِ برصد التغيرات البطيئة المستمرة، بل حدد موقع لحظة الصدام الجدلي التي ستولد واقعاً طافراً ومغايراً يمحو ما قبله.
الثالثة: مسطرة الديناميكا اللاخطية (Chaos Theory)
(مقاربة "إدوارد لورنز" حيث تؤدي المدخلات أو التغيرات متناهية الصغر في الشروط الابتدائية لنظام ما، إلى نتائج ضخمة وكارثية عبر الزمن، مما ينفي الحتمية الميكانيكية الصارمة ويؤسس لـ "تأثير الفراشة").
اليقين الرياضي القطعي في النظم البشرية مجرد وهم، والمستقبل ليس بحراً عشوائياً، بل نظاماً معقداً مفرط الحساسية للمتغيرات الدقيقة. نحن نختبر مسارات وسيناريوهات تنهار وتتحدد بناءً على تقلبات أولية دقيقة، لنتجنب المفاجآت ونستثمر في الفوضى بوعي استراتيجي.
الرابعة: مسطرة المحاكاة التطورية - الميكيافيلية (Evolutionary-Machiavellian Agency)
(نمذجة السلوك البشري والمؤسسي ليس وفق قواعد أخلاقية مجردة، بل بناءً على حتمية البقاء البيولوجي، تراكم الموارد، غرائز الهيمنة، والبراغماتية النفعية الخالية من العاطفة).
الظواهر الكبرى—كالثورات والانهيارات الاقتصادية أو صعود المؤسسات—لا تنبثق من فراغ تنظيري، بل هي محصلة صراع دائم لوكلاء تحركهم الأنانية الجينية والبحث عن النفوذ. التنبؤ الفعال يتطلب محاكاة تفاعل هذه الدوافع الغريزية والمادية بقسوة علمية وبلا رتوش رومانسية.
الخلاصة:
نحن لا نتبنى هذا النسق المتعدد سعياً وراء التواضع أمام التعقيد، بل ندمج هذه الأدوات لأنها تمثل السلاح المعرفي الأقوى. فهم التقاطعات بين النظام الضمني، والجدل التاريخي، والفوضى، والدوافع التطورية؛ هو ما يضمن لنا تعزيز الهيمنة وتوسيع مساحة المناورة في واقع يتسم بالسيولة. الحكمة ليست في الزهد وقبول الجهل، بل في امتلاك أدوات رصد وتحليل لا تخطئها آليات البقاء والسيادة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |