|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 5 / 13
حين صاغ أنطونيو غرامشي مفهوم "الجهاز الأيديولوجي" من زنزانته الفاشية، كان يصف آلية تنتج الإذعان قبل أن تبدأ آلات القمع المباشر في الدوران. ما لم يقلبه غرامشي رأساً على عقب هو أن هذه الآلية أقدم بكثير من الرأسمالية، وأنها اشتغلت في مجتمعات ما قبل الدولة بنفس الكفاءة التي اشتغلت بها في ألمانيا النازية أو أمريكا الاحتكارية. أوراكل أوموفيا لم يكن مجرد كاهنة عجوز تتكلم باسم آلهة، بل كان جهازاً أيديولوجياً متكاملاً له أربع وظائف طبقية لا تختلف جوهرياً عن وظائف الكنيسة في أوروبا الإقطاعية أو الإعلام في عصر الاحتكارات.
الوظيفة الأولى كانت تشريع التراتبية الطبقية وجعل اللامساواة المادية تبدو مكتوبة في النسيج الكوني. الرجل الغني في أوموفيا يمتلك "تشي" قوي، أي روحاً شخصية قوية منحته الآلهة حظاً وافراً. الرجل الفقير يمتلك "تشي" ضعيف، أي أنه لم يُختر من الأعلى. هذا التحويل للفارق المادي إلى فارق روحي هو العصب الذي يغذي كل أيديولوجيات التراتبية، من نظرية "الأخلاق البروتستانتية" عند فيبر إلى خطاب "الجدارة" في الرأسمالية المتأخرة. السؤال عن لماذا يمتلك هذا حقولاً وعبيداً وذاك لا يملك شيئاً يُصبح سؤالاً عن حظوة إلهية لا عن علاقات إنتاج ونظام ميراث وتراكم رأسمالي. الأوراكل هنا لا يكذب، بل يُنتج حقيقة اجتماعية ثانية تعلو فوق الحقيقة المادية وتُخفيها.
الوظيفة الثانية كانت تفريغ الطاقة الاحتجاجية وتحويلها إلى طقوس جماعية تعيد إنتاج النظام بدل نقده. أعياد الحصاد الكبرى وطقوس التطهير ومهرجانات الذكرى السنوية لم تكن تراثاً ثقافياً بريئاً، بل آليات لتحويل التوترات الاجتماعية المتراكمة إلى احتفال يمنح كل فرد شعوراً مؤقتاً بالكرامة والانتماء. الفلاح الفقير الذي يحتفل بوفرة الحصاد وهو يعلم في قرارة نفسه أن جزءاً كبيراً من حصاده ذهب ديناً للنخبة، يمارس انفصاماً معرفياً منتجاً: يعرف حقيقة وضعه لكنه يحتفل بنقيضها لأن الاحتفال هو المتنفس الوحيد المسموح به. هذه هي آلية ما تسميه الماركسية الجذرية "الأيديولوجيا كرغبة مسدودة": حين تُسد كل منافذ التغيير الحقيقي، تتحول الرغبة في التغيير إلى طقس يعيد إنتاج ما يفترض أنه يغيره.
الوظيفة الثالثة كانت إدارة العنف الطبقي بلغة مقدسة تجعل التطهير ديناً لا جريمة. قتل التوائم في الغابة الملعونة ليس وحشية عشوائية، بل هو آلية للتخلص من "الفائض البشري" الذي لا يدمج في نظام الإنتاج، مع تغليف هذه الآلية بشرعية دينية لا تقبل الجدل. كذلك تقديم "الفداء البشرية" في حالات الأزمات هو ابتزاز طبقي صريح: حين يمر المجتمع بأزمة حقيقية من قحط أو وباء أو غزو، يطلب الأوراكل تضحية بشرية من الطبقات الدنيا بينما النخبة تواصل استهلاكها. العنف هنا لا يمارس على المتمردين، بل على الضعفاء أنفسهم، باسم تطهير المجتمع من غضب الآلهة. من يجرؤ على الاعتراض يُتهم بالكفر، فيسكت خوفاً من الإقصاء لا من الموت.
الوظيفة الرابعة كانت الأكثر فتكاً: شل الاستجابة الجماعية للأزمات الخارجية وجعل أي قرار مستقل مستحيلاً بدون وساطة الجهاز الأيديولوجي. حين تظهر القوات البريطانية في الأفق، يذهب شيوخ أوموفيا إلى الأوراكل يسألونه: ماذا نفعل؟ لا يذهبون لأنهم أغبياء، بل لأن النظام الأيديولوجي برمته ينهار إن اتخذوا قراراً بدون مباركته. النخبة التقليدية تفضل الهزيمة على أن تمنح الشعب حق تقرير مصيره بنفسه، لأن تلك الهزيمة ستُعقبها ثورة لا محالة. هذا هو الدرس الذي لم تستوعبه برجوازيات العالم الثالث حتى اليوم: الهزيمة على يد عدو خارجي أقل كلفة من الانتصار الذي يمنح الفقراء وعياً بذواتهم.
الفرق الجوهري بين الأوراكل وأي جهاز أيديولوجي حديث ليس في الوظيفة بل في درجة الوعي الذاتي. كاهنة الأوراكل تؤمن حرفياً بما تقول. الشيوخ الذين يأمرون بقتل إيكيميفونا مقتنعون أخلاقياً بضرورة ذلك. هؤلاء ليسوا منافقين، وهذا هو بالضبط ما يجعل الأيديولوجيا أقوى حين تكون صادقة. لأن الكذب يحتاج إلى مراقبة وتنفيذ دائمين، أما الصدق الأيديولوجي فينتج خاضعين يُراقبون أنفسهم بأنفسهم. ماركس قال إن الدين هو "زفرة المخلوق المضطهَد" قبل أن يكون أفيون الشعوب. هذا يعني أن الحاجة إلى الأيديولوجيا تنشأ من ألم حقيقي غير قابل للحل، ثم تستثمر طبقيًا لحل هذا الألم بشكل وهمي. الأوراكل لم يُنتج الخرافة من فراغ، بل استثمر حاجة الإنسان إلى تفسير لمأساته.
الثابت الوحيد الذي لم يتغير في انتقالنا من أوموفيا إلى السودان الراهن هو هذه الوظيفة الأيديولوجية ذاتها، وإن اختلف الجلد. حين يصوت العامل الفقير في بلد عربي لحزب الأثرياء لأنه "يحمي القيم" أو "يدافع عن الدين"، فالأوراكل يعمل. حين يقاتل شاب فقير من دارفور شاباً فقيراً من كردفان تحت راية "الكرامة القبلية" بينما نخبة قبيلته تسرق عائد الذهب وتهربه إلى الخارج، فالأوراكل يعمل. حين يقبل المضطهَد بفقر وجوع وتهميش لأنها "إرادة الله" و"ابتلاء من الرحمن"، فالأوراكل يعمل بكامل كفاءته الطبقية. لم يمت الأوراكل، فقط غير ثوبه القديم بلبوس الحداثة وأحياناً لبوس الدين الجديد.
التحول الكبير ليس في الوظيفة بل في طبيعة التراتبية الرمزية نفسها. في أوموفيا، كانت التراتبية أفقية ومحلية: قبائل متجاورة تعرف بعضها وتتنافس على الموارد المحدودة. في السودان الراهن، التراتبية عمودية ومستوردة: الخطاب القبلي يُنتج في ورش النخب المحلية ويمول من الخارج، ثم يعاد ضخه في مجتمعات فقيرة تعاني من انهيار كل مؤسسات الدولة. هذا يجعل مقاومة الأوراكل أصعب بكثير، لأن مصدره ليس كاهنة عجوز في كهف، بل شبكات تهريب ذهب وطائرات مسيرة وتمويل إماراتي وفتاوى فضائية. الفارق أن أوراكل أوموفيا كان منتجاً محلياً، بينما أوراكل اليوم هو منتج عابر للحدود، مما يجعله أكثر قدرة على التكيف والبقاء.
السؤال الذي يفرض نفسه على نضال اليوم هو نفسه الذي أخفق أبطال أوموفيا في الإجابة عليه: كيف تفكك جهازاً أيديولوجياً لا يبدو جهازاً؟ كيف تكشف قداسة مزيفة لم يعد أحد يؤمن بها حرفياً لكن الجميع يتصرفون وكأنها حق؟ الجواب الذي يقدمه تاريخ الصراع الطبقي هو أن الأيديولوجيا تفكك بالممارسة البديلة لا بالنقد المجرد. حين يوزع أعضاء لجنة مقاومة الخبز في حي فقير على جميع السكان بغض النظر عن قبيلتهم، ينتجون واقعاً جديداً يفكك الأوراكل القبلي عملياً. حين تنشأ تعاونية زراعية تعبر الحدود القبلية، يصبح الخطاب القبلي سخيفاً في عين من يراه. النقد المجرد للأوراكل ضروري لكنه غير كافٍ، وقد يصبح هو نفسه أيديولوجيا جديدة إن انفصل عن الممارسة. هذا هو فخ اليسار الرمزي الذي يظن أن هزيمة الخرافة تتم بالبيانات والمنشورات النظرية.
الخرافة لا تُهزم بالمنطق، بل بأن تصبح الممارسة الجديدة هي المنطق الجديد. حين يقول ماركس إن الفلسفة لم تعد بحاجة لتفسير العالم بل لتغييره، لم يكن يتحدث عن فضول أكاديمي بل عن أداة نضال: التفسير ينتج خرافات جديدة، والتغيير فقط هو الذي ينتج وعياً جديداً. أوراكل أوموفيا سقط عندما وُجد بديل عملي يقدم للمنبوذين كرامة حقيقية، لكن البديل كان كنيسة المستعمر. سقوط الأوراكل ليس نهاية المعركة، بل بدايتها: معركة أي بديل سيسد الفجوة التي يتركها الأوراكل المنهار. البديل الثوري الوحيد هو الذي يربط تحرر الوعي بتحرر المعدة.
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |