السيادة المعرفية والذاكرة العربية: لماذا نحتاج أرسيف في مواجهة المركزية الغربية؟

حسين سالم مرجين
2026 / 5 / 12

لا تقتصر الهيمنة الغربية اليوم على الأبعاد العسكرية أو الاقتصادية، بل تمتد لتشكّل وصاية معرفية تهدف إلى إعادة هندسة الذاكرة العربية وفقًا لمقاييس الفضاء الغربي. وتتجلى هذه الهيمنة المعاصرة في صورة إمبريالية رقمية وأكاديمية تسعى لفرض وصاية على الذاكرة العربية وتأطيرها ضمن رؤية أحادية. ومن واقع التجربة الأكاديمية، نلاحظ أن المنصات البحثية الغربية ذات التأثير العالي (High Impact) تمارس شكلًا من الإقصاء الممنهج للسرديات الوطنية؛ إذ يُشترط على الباحث العربي تطويع قضاياه المحلية، وربطها تلقائيًا بإطار الغربي، بوصف ذلك شرطًا للنشر، كذلك فهذه المنصات لا تكتفي بوضع معايير منهجية، بل تمارس أيضًا وصاية أيديولوجية تحدد ما ينبغي أن نفكر فيه، وكيفية تشخيصه. ونتيجة هذا الضغط تتعرض الهوية العلمية العربية للتذويب، وتتحول أولويات البحث تدريجيًا نحو ما يتلاءم مع شروط التصنيفات الدولية. هذا الضغط يدفع نخبة الباحثين المرموقين إلى تعديل مساراتهم استجابةً لمتطلبات القبول الأكاديمي، وهو ما نعتبره استلابًا علميًا يساهم في مسح الذاكرة الجمعية وتطويعها.
ومن خلال تجربة شخصية، قمت بتقديم بحث سوسيولوجي يتناول الشأن الليبي، لكن الرد جاء بالرفض الصادم، ومشروطًا بضرورة تأطير القضية الوطنية داخل الفضاء الغربي أو ربطها بعلاقة الشمال بالجنوب
هذا يعني أن المركز الغربي هو من يضع أولويات البحث، ويجبر الباحث العربي على تذويب قضايا وطنه في سياقات تخدم أجندته المعرفية فقط. وفي ظل الضغوط الحكومية والأكاديمية التي تدفع نحو النشر في أوعية عالمية ذات معامل تأثير (Global Impact Factor)، نواجه معضلة كبرى؛ وهي إمّا التخلي عن خصوصية قضايانا الوطنية، أو البقاء خارج دائرة التصنيف.
وتُفضي هذه الهيمنة المعرفية إلى سلب الحق في التحليل المستقل، وإبعاد التشخيص الحقيقي لأزماتنا عن مراكز التأثير. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى مقاومة فكرية تقوم على دعم منصات رقمية تحمي الذاكرة العربية وأدوات التفكير السيادي. وفي مواجهة هذا الاستلاب، تكتسب أهمية مشروع أرسيف (Arcif) بوصفه ليس مجرد منصة لرفع معامل التأثير العربي، بل أداة لتعزيز السيادة المعرفية وحماية الذاكرة من الهندسة الخارجية.
كما لا يقتصر مشروع أرسيف على تصنيف المجلات؛ بل يطمح إلى استعادة الاستقلال المعرفي والدفاع عن حق الباحث العربي في تشخيص قضايا وطنه بأدواته الخاصة، بعيدًا عن شروط التبعية التي تفرضها المركزية الغربية
نحن اليوم بحاجة ماسة إلى تعزيز منصاتنا العربية المستقلة لضمان حق الباحث في تدوين سرديته الوطنية والقومية بلسانه وهويته، بعيدًا عن شروط المركزية الغربية التي لا ترى في قضايا الجنوب إلا امتدادًا لمصالح الشمال.
وقد تجلّت أبعاد هذه المعضلة خلال مناقشة مستفيضة لنتائج معامل تأثير أرسيف (Arcif)، بدعوة كريمة من الصديق الدكتور سامي خزندار (رئيس المعامل). إذ كشف عرضه عن مفارقات صادمة في درجات الاستشهاد بين المجلات المسجلة في أرسيف وتلك المسجلة في الأوعية الغربية. ولا تعكس هذه الفوارق- التي قد تصل إلى عشرات الآلاف - ضعفًا في الإنتاج العربي بقدر ما تعكس انغلاق الأوعية الغربية على قضاياها وتهميشها المتعمد للسياق العربي.
وتضعنا هذه الفجوة الرقمية أمام ضرورة تاريخية لمراجعة جدوى الارتهان لتصنيفات تدفع بالبحث العلمي العربي نحو قضايا هامشية لا تخدم واقعنا. ويذكّرنا التاريخ بأن الغرب، عندما أراد احتلال المنطقة، بدأ بالبحث العلمي الاستكشافي الذي يرصد الواقع ويضع الخطط. واليوم، نحن بحاجة إلى تمثّل هذا النوع من التفكير الاستراتيجي، ولكن في سياق سيادي عربي.
أليس من حقنا- أكثر من أي وقت مضى - بلورة استراتيجية عربية موحدة للنشر تخرجنا من شرنقة التشتت؟ ألم يحن الوقت لإعادة التموضع ودعم مشروعات وطنية مثل أرسيف لحماية مصالحنا المعرفية؟ إن الاستمرار في الركض خلف أوعية لا تعترف بخصوصيتنا هو استنزاف لأدوات تفكيرنا وتشخيصنا لأزماتنا. ومن هنا، تبدأ إعادة بناء الذاكرة الوطنية وحمايتها من امتلاكنا لمنصاتنا الخاصة؛ منصات تمنحنا أن نكون المركز في دراسة قضايانا، لا مجرد طرف يبحث عن قبول في فضاء الآخر.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن