|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 5 / 12
ديالكتيك الآلهة: التفسير الخطي البيولوجي والسياسي للانتقال من "الأنوثة الاعتمادية" إلى "الذكورة السلطوية"
بقلم: أحمد كانون
لا يتحرك التاريخ البشري بوحي الميتافيزيقا المجردة، بل تدفعه الميكانيكا الصارمة للتطور البيولوجي وحتميات البقاء. إن الآلهة التي عبدتها المجتمعات عبر العصور لم تكن مجرد تصورات روحية هائمة في الفراغ، بل كانت انعكاساً هيكلياً دقيقاً لاستراتيجيات بقاء هذه المجموعات!، وأدوات أيديولوجية لتنظيم القوة وتوزيع الموارد. ومن هذا المنظور السوسيولوجي والتطوري، يمكننا قراءة التحول الديالكتيكي من عبادة "الإلهة الأنثى" إلى تقديس "الإله الذكر"، ليس كمسار من التنوير الروحي، بل كانقلاب سياسي واجتماعي فرضته الضرورة لضمان استمرار النوع وتماسكه.
في المراحل المبكرة من التجمع البشري، إبان عصور الصيد والالتقاط والزراعة البدائية، كانت العلاقة بين الإنسان وبيئته تتسم بنمط بيولوجي يمكن وصفه بـ "الاعتمادية" أو الاستهلاك السلبي!. كانت الطبيعة هي المانح الأول، وتجسدت هذه الديناميكية في رمزية "الإلهة الأم". في هذا النسق الأمومي، يتخذ المجتمع وضعية المتلقي، حيث تمنح الأرض خصوبتها دون اشتراطات معقدة. هذا النمط العقائدي ناسب مجتمعات أفقية التنظيم، لم تكن بحاجة ماسة إلى آلة عسكرية أو تسلسل هرمي صارم، لأن البقاء كان يعتمد على التناغم الفطري مع دورات الطبيعة، وليس إخضاعها.
لكن مسار التطور لا يعترف بالرومانسية أو السكون!. مع تطور الزراعة لإنتاج فوائض ضخمة، برزت مفاهيم الملكية الخاصة وتأسست المستوطنات الحضرية، مما أدى حتماً إلى احتدام الصراع التنافسي الشرس بين المجموعات البشرية على الموارد وطرق التجارة. في هذه البيئة القاسية والمعقدة، أصبحت أيديولوجيا "الأم المانحة" غير صالحة للبقاء. لم يعد المجتمع بحاجة إلى الخصوبة بقدر حاجته إلى القوة الغاشمة، القانون الصارم، والتنظيم العسكري المنيع.
هنا، برزت الضرورة التطورية لظهور "الإله الذكر" كـ "ضد" (Antithesis) حتمي للإلهة الأنثى. تطلب البقاء تكتلاً بشرياً تحت قيادة مركزية قادرة على احتكار العنف المنظم وحماية المكتسبات. تحولت الرمزية الإلهية إلى السماء، العاصفة، والحرب. الإله الذكر لا يمنح عطاءه مجاناً بدافع الأمومة، بل يفرض علاقة تعاقدية صارمة تشترط الطاعة المطلقة، تقديم القرابين والولاء، وتنفيذ القوانين. ملحمة "الإينوما إيليش" البابلية، حيث يقوم الإله المحارب "مردوخ" بشطر جسد الإلهة الأم "تيامات" ليبني منه العالم، ليست سوى الوثيقة السياسية الأقدم التي تعلن انتصار النظام الأبوي والعسكري على الطبيعة البدائية والفوضى.
وقد بلغت هذه الهيكلية ذروة تطورها التنظيمي مع ظهور الديانات الإبراهيمية، التي تمثل التجسيد الأقصى لمركزية السلطة. في بيئات الشرق الأوسط الجيوسياسية المشتعلة بالصراعات الإمبراطورية، كانت المجموعات تفتقر إلى أي رفاهية للتفكك. جُرد الإله هنا من أي تجسيد فيزيائي، لكنه احتفظ بالسمات الأبوية والسلطوية المطلقة: المشرّع، الحاكم، والقاضي. العطاء في هذا النسق مشروط بالانضباط التام لشريعة محددة، وهو ما ينعكس سياسياً على الأرض في حتمية تنصيب حاكم ذكر (ملك أو خليفة) يمثل هذه السلطة المركزية الصارمة.
في المحصلة، إن إزاحة الإلهة الأنثى لصالح الإله الذكر لم تكن صدفة تاريخية، بل كانت تكيفاً حيوياً بالغ الذكاء. لقد كان انتقالاً من أيديولوجيا تناسب كائناً يعتمد على التطفل البيئي، إلى أيديولوجيا تصنع مجتمعاً عسكرياً هرمياً، قادراً على الحشد، الغزو، وفرض النظام في عالم لا يحترم سوى لغة القوة والبقاء للأصلح.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |