|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 5 / 11
لفهم السلوك الإنساني المعقد، لا يمكننا الاكتفاء بمراقبة الظواهر السطحية، بل يجب الغوص في الجذور التطورية والآليات الجينية التي شكلت هذه السلوكيات عبر ملايين السنين. من هذا المنطلق، تمثل المثلية الجنسية ظاهرة بيولوجية واجتماعية مثيرة للاهتمام؛ إذ تشير التقديرات والإحصاءات إلى أن العامل الوراثي يفسر حوالي 25% من التباين في هذا التوجه، مما يدفعنا للتساؤل عن طبيعة هذا التداخل بين الجينوم، والبيئة، ومسار التطور.
وهم "الجين الواحد" وتعقيد الخريطة الجينية
تاريخياً، قادت الحماسة العلمية في التسعينيات إلى البحث عن حتميات جينية بسيطة. ففي عام 1993، نشر عالم الوراثة "دين هامر" دراسة اقترحت وجود ارتباط بين التوجه المثلي وعلامات جينية على الكروموسوم (Xq28). إلا أن العلم، بطبيعته التصحيحية، تجاوز هذا الاستنتاج. فالدراسات اللاحقة الأكبر حجماً، وتحديداً التحليل الواسع الذي نُشر في دورية Science عام 2019 وشمل بيانات نصف مليون شخص، نفى تماماً وجود ما يُسمى بـ "جين المثلية" (Gay Gene).
الخلاصة العلمية اليوم تؤكد أن الجذب الجنسي ليس مفتاحاً مفرداً يُشغّل بجين واحد، بل هو سمة "متعددة الجينات" (Polygenic). يتكون هذا التوجه نتيجة تفاعل معقد بين مئات أو آلاف المتغيرات الجينية، تساهم كل منها بتأثير ضئيل، وتتفاعل مع بيئة ما قبل الولادة (كالهرمونات الرحمية) وعوامل جينية فوقية (Epigenetics).
ورغم أن دراسة Science واجهت بعض الانتقادات المنهجية—مثل اتساع تعريف "السلوك المثلي" ليشمل من خاضوا تجربة عابرة لمرة واحدة، وهو ما قد يُخفف من دقة القياس—إلا أن الإجماع باقٍ: غياب جين محدد لا ينفي الأساس البيولوجي، تماماً كما أن الطول أو القابلية لأمراض القلب هي صفات وراثية دون أن يتحكم بها جين حصري، بل تتشكل بمزيج من التشفير الجيني والظروف البيئية.
الجذور العميقة للتجاذب: ماذا تخبرنا الفطريات؟
لفهم آليات التعرف الجنسي بمعناها البيولوجي المجرد، يتجه علم الأحياء التطوري إلى دراسة الكائنات حقيقية النواة الأبسط، كالفطريات والخمائر. لا نتحدث هنا عن "توجهات جنسية" أو "ذكور وإناث" بالمعنى الحيواني، بل عن ولادة "أنظمة التزاوج" (Mating-type Loci).
الفطريات قدمت الطبيعة كنظام تجريبي لاختراع الجنس. من خلالها، طورت الكائنات الحية آليات كيميائية للتعرف على الشريك المتوافق جينياً لتبادل الطفرات التكيفية. في الخمائر، تُستخدم "الفيرومونات" لتقييم جودة الأمشاج وجذب الشريك. هذا التطور البدائي للتمييز الكيميائي والتجاذب الخلوي يمثل حجر الأساس التطوري الذي بُنيت عليه لاحقاً الآليات العصبية والنفسية المعقدة للانجذاب الجنسي في الكائنات الأكثر تعقيداً. دراسة هذه الفطريات تثبت أن التزاوج والجنس لم يكن يوماً مجرد عملية ميكانيكية، بل هو نظام تواصل وتقييم جيني متجذر في أعمق مستويات شجرة الحياة.
المفارقة التطورية وبقاء السلوك المثلي
عندما ننتقل إلى المملكة الحيوانية المعقدة، نلاحظ انتشار السلوكيات الجنسية المثلية في أكثر من 400 نوع، بدءاً من حبار البحر وصولاً إلى الثدييات العليا كقرود البونوبو والمكاك. والسؤال الذي يطرحه العقل التحليلي هنا: وفقاً لآليات الانتقاء الطبيعي الداروينية، كيف استمر هذا التوجه عبر الأجيال رغم أنه لا يؤدي مباشرة إلى التكاثر؟
الإجابة تكمن في أن التطور لا يعمل بحسابات خطية بسيطة، بل يعتمد على آليات معقدة تخدم بقاء "الجينات العائلية" بطرق غير مباشرة، ومن أبرز هذه الآليات:
اصطفاء الأقارب (Kin Selection): تفترض هذه النظرية (المعروفة أحياناً بفرضية "المساعد في العش") أن الأفراد المثليين، لعدم استهلاكهم مواردهم في التكاثر المباشر، يستثمرون طاقاتهم في حماية ورعاية أبناء إخوتهم وأخواتهم، مما يزيد من فرص نجاة جينات العائلة ككل.
السمة التبادلية أو التضاد الجنسي (Sexually Antagonistic Selection): تقترح هذه الفرضية الرصينة أن بعض الجينات التي تزيد من الخصوبة والصحة الإنجابية عندما تكون في الإناث، قد تؤدي إلى زيادة احتمالية التوجه المثلي عندما تورث للذكور. بالتالي، الميزة التطورية التي تمنحها هذه الجينات للإناث تتفوق رياضياً على التكلفة التطورية لعدم تكاثر بعض الذكور، مما يضمن بقاء هذه الجينات في الحوض الجيني البشري.
النتيجة الفلسفية والأخلاقية
إن التوجه الجنسي هو نتاج برمجة عصبية معقدة تتشكل مبكراً، وتقف خلفها تفاعلات تطورية ووراثية لا خيار للفرد فيها. ولكن، من منظور عقلاني مستقل، يجب الفصل تماماً بين الحقيقة البيولوجية والتشريع المدني.
إن سعي البعض في الماضي لإثبات وجود "جين للمثلية" كمبرر لنيل الحقوق المدنية كان استراتيجية محفوفة بالمخاطر الفلسفية. فالحقوق الإنسانية والمساواة المدنية لا يجب أن تُستجدى من تسلسلات الحمض النووي. القوانين التي تكفل حرية الفرد في مساحته الخاصة يجب أن تُبنى على مبادئ التراضي، والحرية الشخصية، وعدم التعدي على حقوق الآخرين.
حتمية البيولوجيا تفيدنا في الفهم المجرد لتاريخنا التطوري، لكنها ليست المرجعية التي نؤسس عليها أخلاقنا أو قوانيننا؛ فالأخلاق المدنية أرقى من أن تكون مجرد صدى حتمي لحتميات جينية.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |