انكماش الفضاء الثقافي بين المولات والمطاعم

حسين علي محمود
2026 / 5 / 10

لم يعد الترفيه في المجتمع العراقي كما كان في السابق، فقبل عقود كانت المدينة العراقية تمتلك حياة ثقافية واجتماعية أكثر تنوعاً وعمقاً حيث كانت دور السينما تستقبل جمهورها والمسارح تقدم عروضها والنوادي الرياضية والثقافية تمثل جزء من الروتين اليومي للناس.
كان الإنسان يخرج من منزله ليحضر فيلماً أو عرضاً مسرحياً أو يشارك في نشاط ثقافي أو رياضي يشعره بالانتماء والمعنى.
أما اليوم فقد انحسر مفهوم الترفيه في مساحة ضيقة تكاد تقتصر على المطاعم والكافيهات والمولات حتى أصبح الخروج في كثير من الأحيان مرتبطاً بالأكل والتسوق والتصوير فقط.
هذا التحول لم يحدث بشكل عفوي أو بسبب تغير الأذواق فقط، بل هو نتيجة طويلة ومعقدة من الحروب والأزمات والانهيارات الاجتماعية والنفسية والثقافية التي مر بها العراق خلال عقود متتالية.
فالمجتمع الذي يعيش سنوات طويلة تحت الضغط والخوف وعدم الاستقرار يفقد تدريجياً علاقته بالحياة الثقافية العميقة ويتجه نحو أشكال الترفيه السريعة التي تمنحه راحة مؤقتة وتخفف عنه ثقل الواقع حتى لو كانت هذه الراحة سطحية وعابرة.
في الوقت الحاضر تبدو المولات والمطاعم وكأنها البديل الوحيد للفضاء العام، فالناس تذهب إليها ليس فقط من أجل الطعام أو التسوق، بل لأنها لا تجد بدائل أخرى متوفرة ومنظمة وآمنة.
حين تختفي المكتبات العامة والحدائق والنوادي الثقافية والمسارح ودور السينما يصبح الاستهلاك هو النشاط الاجتماعي الأكثر حضوراً.
المشكلة هنا ليست في المطاعم أو الكافيهات بحد ذاتها، فهذه أماكن طبيعية وموجودة في كل المجتمعات لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الاستهلاك إلى الشكل الوحيد تقريباً للمتعة والترفيه وعندما تصبح قيمة الإنسان الاجتماعية مرتبطة بما يشتريه أو بالمكان الذي يجلس فيه أو بالصور التي ينشرها على المنصات الرقمية.
لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تعميق هذا التحول، فالكثير من الأنشطة الترفيهية اليوم أصبحت تمارس من أجل عرضها لا من أجل الاستمتاع الحقيقي بها.

لم يعد الطبق مجرد وجبة، بل صورة تنشر لإثبات الحضور الاجتماعي ولم يعد المكان مجرد مساحة للجلوس، بل خلفية لصناعة صورة رقمية عن الذات.
ومع الوقت أصبحت ثقافة الاستعراض جزء من الحياة اليومية حيث يشعر الإنسان بأنه مطالب دائماً بإظهار نفسه داخل أماكن معينة أو ضمن نمط استهلاكي معين كي يشعر بأنه موجود أو مواكب للحياة.
هذه الثقافة خلقت نوعاً من العلاقات السطحية والمؤقتة، فرغم ازدحام الكافيهات والمولات يشعر كثير من الناس اليوم بوحدة وعزلة حقيقية.
لكن في الماضي كانت المنتديات الثقافية والجلسات الأدبية والنوادي الرياضية تبني علاقات قائمة على الاهتمامات المشتركة والحوار والتفاعل الطويل، أما اليوم فكثير من اللقاءات أصبحت مرتبطة بالاستهلاك اللحظي أو المصالح الخاصة.
يجلس الناس معاً لكنهم غالباً منشغلون بالهواتف والصور والمنصات أكثر من انشغالهم بالحوار الحقيقي.
ولا يمكن فصل هذا كله عن الحالة النفسية العامة للمجتمع العراقي، فالعراق مر بصدمات جماعية متتالية كحروب، عنف، نزوح، بطالة، أزمات اقتصادية، وخوف دائم من المستقبل.
هذه الظروف دفعت الإنسان إلى البحث عن أي وسيلة للهروب من التوتر والضغط لذلك أصبحت اللذة السريعة هي الخيار الأسهل.
فبدل أن يبحث الفرد عن نشاط طويل يحتاج إلى تركيز أو بناء ذاتي يتجه إلى ترفيه سريع يمنحه شعوراً مؤقتاً بالراحة وهنا نفهم لماذا انتشرت ثقافة تغيير الجو بشكل كبير، لأن المجتمع في حالة إنهاك نفسي مستمر.
لكن المشكلة الأعمق ليست فقط في سلوك الأفراد، بل في غياب البنية الثقافية نفسها، فالمسرح والسينما لم يختفيا لأن الناس لا تحبهما، بل لأنهما تعرضا للإهمال والتدمير لعقود. كثير من دور السينما أغلقت أو تحولت إلى أبنية مهملة والمسارح تراجعت بسبب ضعف الدعم وقلة الإنتاج وغياب المشاريع الثقافية الجادة.
كما أن الفنون عموماً أصبحت تعاني من التهميش سواء بسبب الأزمات الاقتصادية أو بسبب الخطابات الاجتماعية التي نظرت أحياناً إلى الثقافة والفن على أنهما أمور ثانوية لا أهمية لها أمام الأزمات الكبرى.
ومع غياب الفضاء الثقافي تراجعت الهوايات أيضاً، إذ القراءة أصبحت نشاطاً محدوداً والنوادي الفنية والرياضية لم تعد متاحة بالشكل الكافي والعمل التطوعي ما زال ضعيف التنظيم والرحلات الاستكشافية والأنشطة البيئية والثقافية نادرة مقارنة بما يحتاجه مجتمع شاب مثل المجتمع العراقي. وهكذا يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة جداً للترفيه، فيتكرر المشهد نفسه كل يوم مطعم، كافيه، مول، ثم عودة إلى المنزل مع شعور داخلي بالفراغ.
المشكلة إذن ليست أن المجتمع يحب الأكل أو التسوق، بل أن المجتمع حُرم تدريجياً من البدائل التي تصنع المعنى الحقيقي للحياة، فالإنسان لا يحتاج فقط إلى الترفيه، بل يحتاج أيضاً إلى الشعور بالإبداع والانتماء والمشاركة.
يحتاج إلى أماكن يعبر فيها عن نفسه ويتعلم ويكتشف مواهبه ويكون صداقات قائمة على الاهتمامات لا على الاستهلاك فقط.
ولهذا فإن استعادة الحياة الثقافية أصبحت ضرورة اجتماعية ونفسية وليست مجرد رفاهية للنخبة حيث يحتاج المجتمع إلى إعادة إحياء المسارح والسينما والنوادي الثقافية والمكتبات العامة ويحتاج أيضاً إلى مبادرات شبابية مستقلة قادرة على خلق فضاءات جديدة للحياة.
يمكن لمجموعات صغيرة من الشباب أن تؤسس نوادي قراءة أو فرقاً تطوعية أو ورشاً فنية أو نشاطات موسيقية أو رحلات استكشافية تعيد للناس علاقتهم بالحياة خارج الاستهلاك اليومي.
حتى الكافيهات نفسها يمكن أن تتحول إلى فضاءات أكثر عمقاً إذا احتوت على مكتبات صغيرة أو أمسيات ثقافية أو عروض موسيقية وورش عمل.
فالمشكلة ليست في المكان بحد ذاته، بل في طبيعة الدور الذي يؤديه داخل المجتمع كما في كثير من دول العالم لعبت المقاهي الثقافية دوراً مهماً في تشكيل الوعي والحوار العام، فلماذا لا يحدث ذلك في العراق أيضاً؟!
إن المجتمع الذي يفقد المسرح والسينما والحديقة والنادي الثقافي يتحول تدريجياً إلى مجتمع متعب نفسياً حتى لو بدا مزدحماً بالحياة من الخارج، فالإنسان لا يعيش بالاستهلاك وحده، بل يعيش أيضاً بالفكرة والفن والحوار والهواية والشعور بالانتماء.
وحين تصبح الحياة كلها قائمة على الأكل والتسوق والاستعراض الرقمي يبدأ الفراغ الداخلي بالتوسع مهما بدت المظاهر براقة.
لذلك فإن إعادة بناء الفضاء الثقافي في العراق ليست قضية ترفيه فقط، بل قضية مرتبطة بصحة المجتمع نفسه لأن الثقافة ليست شيئاً زائداً عن الحاجة، بل هي ما يمنح الإنسان القدرة على فهم نفسه والعالم من حوله ويمنحه معنى أعمق للحياة وسط كل هذا الضجيج اليومي.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن