|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 5 / 9
يظن من يقرأ رواية تشينوا أتشيبي أنها مرثاة لعالم تقليدي جميل سحقه الاستعمار الغاشم. هذا الوهم ليس بريئًا، بل يعيد إنتاج الأيديولوجيا ذاتها التي جعلت أوموفيا قابلة للهزيمة. فالمجتمع الذي لا يرى تناقضاته الداخلية محكوم عليه بأن يظل أسير خطاب الضحية الأبدية، عاجزًا عن تحليل شرط هزيمته المادي.
كانت أوموفيا مجتمعًا منتجًا لفائض القيمة، وهذا يعني وجود علاقات استغلال طبقي حقيقية. أوكونكو لم يكن مجرد "رجل ناجح" في ثقافة مختلفة، بل كان رأسماليًا زراعيًا صغيرًا يملك حقولًا متعددة وزوجات يعملن كقوى عاملة وعبيدًا يُشغَّلون في مواسم الحصاد. طريقه من الفقر إلى الثراء لم يكن انتصارًا للجدارة، بل دليلاً على أن النظام يسمح بالصعود الفردي عبر تراكم رأس المال البشري والديون، لا عبر التضامن الطبقي. هذا المسار الفردي هو بالضبط ما ينتج الوعي الزائف: أوكونكو يعرف ألم الفقر لأنه ولد فيه، لكنه بدل أن يُحوّل هذه التجربة إلى أداة لنقد النظام، حوّلها إلى طموح للوصول إلى قمته.
الطبقة الأكثر عددًا في أوموفيا لم تكن "الجماهير" المجردة، بل الأحرار الفقراء والمدينون. الرجل الذي يقترض البذور من النخبة ليزرع أرضه ويعيد الجزء الأكبر من محصوله دينًا ليس حرًا إلا بالاسم. هو في علاقة إنتاج شبه إقطاعية مع من أقرضه، لكن هذه العلاقة لا تُسمى باسمها لأن الأيديولوجيا المسيطرة تجعل الفقر يبدو نتيجة "ضعف التشي" أي ضعف الحظ الإلهي، لا نتيجة استغلال مادي. هذا هو الإنجاز العبقري للجهاز الأيديولوجي: أن يجعل المستغَل يرى وضعه كفشل فردي لا كهيكل جماعي للنهب.
تحت هؤلاء وقف الأوسو والعبيد، الطبقة التي لا اسم لها في الخطاب الرسمي لأوموفيا. هؤلاء ليسوا هامشًا عابرًا، بل هم ركيزة الإنتاج في مواسم الذروة، والخرافة الدينية ضرورة مادية لاستغلالهم. الأوراكل يعلنهم "أرواحًا منبوذة"، مما يُخرج استغلالهم من دائرة الأخلاق إلى دائرة الطهارة الكونية. من يضرب عبدًا أو يستولي على محصول منبوذ لا يرتكب ظلمًا، بل يؤكد نظامًا مقدسًا.
لماذا لم يشكّل هؤلاء المضطهدون تحالفًا طبقيًا ضد النخبة؟ لأن الأوراكل لم يكن مجرد معتقد، بل كان جهازًا أيديولوجيًا ينتج تراتبية رمزية داخل المضطهدين أنفسهم. الرجل الحر الفقير ينظر إلى الأوسو بازدراء لأنه تعلم أنهم "ملوثون". المدين الصغير يتطلع إلى تقليد النخبة بدل التحالف مع من هم أسفل منه. كل واحد يُقاسي وضعه بمن هو أعلى منه، لا بمن يشاركه موقعًا طبقيًا حقيقيًا. هذا ليس جهلاً، بل هو بالضبط ما تعنيه الهيمنة الغرامشية: وعي زائف يُنتج خضوعًا طوعيًا قبل أي تدخل قمعي.
أوكونكو يقتل إيكيمفونا، الطفل الذي أحبه كابن، امتثالاً لأمر الأوراكل. القراءة السطحية ترى في هذا مأساة فردية لرجل مزقته التقاليد. القراءة الماركسية ترى شيئًا أفظع: أوكونكو يعرف الباطل في القتل، لكن رفضه سيُعرّضه للإقصاء من دائرة النخبة التي كافح طويلاً للوصول إليها. هو يختار النظام على إنسانيته لأنه أدرك، ربما بغير وعي، أن مكانته الطبقية أغلى من أي حب. الرجل الذي ولد فقيرًا صار أشد قسوة على الضعفاء من أولئك الذين ولدوا أغنياء.
حين جاء المستعمر البريطاني، وجد باب أوموفيا مفتوحًا على مصراعيه. لم يكن اختراقًا من الخارج بقدر ما كان انفجارًا لتناقضات داخلية راكمة. الأوسو والمنبوذون وأمهات التوائم المحكوم عليهن بالطرد لم يحتاجوا إلى "خداع" المبشرين، بل كانوا يبحثون عن أي نظام أيديولوجي بديل يُقرّ بإنسانيتهم. المسيحية قدّمت لهم هذا، وقدمت معه مدرسة ومستشفى وشبكة دعم. لم يتحرروا طبعًا، بل انتقلوا من تبعية الأوراكل إلى تبعية التاج البريطاني. لكن الفرق أن هذا الانتقال بدا لهم تحررًا حقيقيًا، وهذا هو جوهر المأساة.
لحظة الموت العظمى في الرواية ليست موت أوكونكو، بل نظره الأخير حوله فلا يرى أحدًا يتبعه. لم يخذله الشعب، بل لم يكن هناك شعب بالمعنى السياسي. كانت هناك جماهير منشغلة بالتنافس على من هو أطهر وأشرف. حين حاول مقاومة الاستعمار بأيديولوجيا "الرجولة والشرف"، لم يجد آذانًا مصغية لأن هذه الأيديولوجيا كانت هي ذاتها أداة القمع الداخلي التي أبقت الفقراء يتناطحون رمزيًا.
ما تفعله الرواية، رغم أن كاتبها لم يقصد ذلك ماركسيًا، هو تشريح لانهيار وعي طبقي ممكن لم يحدث. الدرس ليس أن أوموفيا قُدِّر لها الهزيمة، بل أنها أنتجت شروط هزيمتها بنفسها حين جعلت الفقراء يصدقون أن عدوتهم ليس النخبة التي تستغلهم، بل المنبوذين الذين هم أسفل منهم. هذا الدرس يضيء كالقنبلة على السودان اليوم، حيث يتقاتل فقراء دارفور مع فقراء كردفان تحت رايات قبلية صُنعت في ورش السلطة.
قالت روزا لوكسمبورغ إن "الحرية دائماً حرية المُخالف في الرأي". الأصح ماركسيًا أن الوعي الطبقي هو دائماً وعي من يكتشف أن عدوه الحقيقي يقف إلى جانبه لا أمامه. سيبقى أبناء الطبقة العاملة في كل مكان يتقاتلون بالنيابة عن نخبهم إلى أن يدركوا أن الخرافة التي تفرقهم هي الرأسمال الرمزي الذي تستثمره تلك النخب لشراء إذعانهم. عندها فقط تتوقف الأشياء عن التداعي وتبدأ في البناء.
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |