|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 5 / 9
دائما ما يثير سؤال عدم التحاق عدد كبير من الطلبة العرب ومنهم العراقيون بالمؤسسات الأكاديمية العالمية المرموقة نقاشاً يتجاوز الأفراد ليطال بنية النظام التعليمي ذاته.
وغالباً ما يختزل هذا السؤال في فرضية مفادها أن الذكاء الفطري غير كاف للعبور إلى تلك الجامعات وهي فرضية تحمل جزء من الحقيقة لكنها تظل قاصرة ما لم توضع ضمن سياقها التربوي الأوسع.
إن التمييز بين الذكاء والكفاءة الأكاديمية يعد مدخلاً ضرورياً لفهم هذه الإشكالية، فالمؤسسات التعليمية العالمية لا تبحث عن الطالب الذكي بمعناه المجرد، بل عن الطالب القادر على توظيف معارفه ضمن مستويات متقدمة من التفكير والتحليل والإنتاج.
وهنا تبرز أهمية النموذج التربوي المعروف باسم تصنيف بلوم الذي يقسم العمليات العقلية إلى ستة مستويات متدرجة وهي الحفظ، الفهم، التطبيق، التحليل، التقويم، ثم الابتكار.
تظهر التجربة التعليمية في العديد من البلدان العربية أن العملية التعليمية غالباً ما تتوقف عند المستويين الأولين أو تمتد بشكل محدود إلى التطبيق.
فالطالب يُدرَّب على استرجاع المعلومات أكثر مما يُدرَّب على مساءلتها ويقاس أداؤه بقدرته على التذكر لا بقدرته على التحليل أو النقد.
في مثل هذه البيئة يصبح الانتقال إلى المستويات العليا من التفكير كالتقويم والابتكار أمراً نادراً، إن لم يكن غائباً.
في المقابل تعتمد الجامعات العالمية الرائدة مثل جامعة هارفارد وجامعة أكسفورد وجامعة كامبريدج ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على معايير قبول ترتكز على قدرة الطالب على التفكير النقد والبحث العلمي وإنتاج المعرفة.
فالطالب هناك لا يقيّم فقط على ما يعرفه، بل على كيفية تعامله مع ما يعرفه مثل هل يستطيع تحليل الظواهر؟! هل يمكنه نقد الأفكار؟! هل يمتلك القدرة على بناء أطروحة علمية متماسكة؟!
هذا الاختلاف لا يعكس فجوة في القدرات العقلية بقدر ما يعكس تفاوتاً في البيئات التعليمية، فحين يتاح للطالب العربي العمل ضمن منظومة تعليمية متقدمة كثيراً ما يثبت كفاءته ويحقق إنجازات لافتة، فما يتغير ليس مستوى الذكاء، بل طبيعة التدريب المعرفي الذي يتلقاه.
من هنا يمكن القول إن الإشكالية الأساسية تكمن في بنية النظام التعليمي الذي يركز على التلقين بدلاً امن التمكين وعلى الإجابة الجاهزة بدلاً من السؤال المنتج.
ويظهر هذا بوضوح في طبيعة المخرجات الجامعية حيث يفترض أن يكون مشروع التخرج محطة أولى في مسار البحث العلمي لكنه في كثير من الأحيان يظل محدوداً في منهجيته أو شكلياً في مضمونه مما يحرم الطالب من اختبار حقيقي لمهارات التحليل والتقويم.
إن معالجة هذه الفجوة تتطلب تحولاً جذرياً في فلسفة التعليم حيث يبدأ من المراحل المبكرة ولا يقتصر على التعليم العالي.
ويتضمن ذلك إعادة تعريف دور المدرسة من كونها فضاءً لنقل المعرفة إلى كونها بيئة لبناء التفكير كما يستدعي تطوير أدوات التقييم بحيث تقيس الفهم العميق والقدرة على التحليل بدلاً من الاقتصار على قياس الذاكرة.
إلى جانب ذلك يبرز دور المعلم بوصفه محور العملية التعليمية، إذ لا يمكن ترسيخ مهارات التفكير النقدي دون إعداد تربوي يواكب هذه الأهداف.
فالمعلم الذي لم يُدرَّب على التحليل والنقد يصعب عليه أن ينقل هذه المهارات إلى طلبته.
أما على المستوى الفردي، فإن مسؤولية الطالب لا تقل أهمية، إذ يمكنه رغم القيود المنهجية أن يسعى إلى تطوير أدواته المعرفية من خلال القراءة الموسعة والانخراط في مصادر تعلم بديلة وممارسة الكتابة والتحليل بشكل مستقل.
وخلاصة حديثنا، إن الفجوة بين الطلبة العرب والمؤسسات الأكاديمية العالمية ليست فجوة في الذكاء، بل في نوعية التكوين المعرفي.
وبين نظام يُخرج طالباً حافظاً للمعلومة وآخر ينتج مفكراً ومبدعاً، وهنا تبرز الفجوة الحقيقية، لذلك فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس لماذا لا يقبل الطالب العربي؟!
بل كيف يمكن بناء نظام تعليمي ينتج طالباً قادراً على المنافسة والمساهمة في إنتاج المعرفة عالمياً؟؟
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |