ليزا أندرسون تُحرّك سؤال الذاكرة: لماذا يغيب الباحث الليبي؟

حسين سالم مرجين
2026 / 5 / 9

لا يزال موضوع الذاكرة الوطنية يشغل حيزاً حيوياً في وعي الفاعل السياسي، لا سيما في ظل التحولات الكبرى التي تمر بها ليبيا؛ فابن خلدون يؤكد في هذا السياق أن "أحداث التاريخ في ظاهرها لا تزيد عن الإخبار، وفي باطنها نظر وتحقيق"، بل وذهب إلى أبعد من ذلك حين قرر أن "الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء"، في إشارة إلى تكرار الأنماط الاجتماعية والسياسية. وفي هذا الإطار الاستقصائي، استوقفتني هذا الأسبوع زيارة الكاتبة والباحثة الأمريكية ليزا أندرسون؛ وهي قامة بحثية متخصصة في الشأن الليبي، ولها باع في دراسة سوسيولوجيا الدولة، وتحديداً تلك الدول التي ترتكز نشأتها على البنية القبلية.
أثار فضولي محاولة تفكيك أبعاد هذه الزيارة وتوقيتها. فتواصلت مع أستاذي البروف محمود خلف أستاذ العلوم السياسية لاستطلاع رأيه، وبمجرد أن ذكرت اسـمها قال لي: ومن لا يعرف أندرسون؟. ولأن ظروف عملي حالت دون لقائها أو متابعة تحركاتها، اكتفيت بنصيحة أستاذي التي قالها لي بلهجة تحمل الكثير من التقدير لذكائها: استمعوا إليها أكثر مما تتحدثون أمامها، فهي ليست بالباحثة السهلة.
هذا التحذير جعل التساؤلات تتزاحم في ذهني: ماذا تريد ليزا أندرسون منا اليوم؟ وإلى أي اتجاه تصب أبحاثها الحالية؟ والأهم من ذلك، ما الذي تسعى إلى معرفته أو قوله في هذه المرحلة الحرجة؟ وهل تحركها دوافع أكاديمية بحتة، أم أنها مكلفة باستقصاء الواقع لصالح دوائر صنع القرار في واشنطن؟
أعتقد أن هناك شيئًا ما يُطبخ على نار هادئة، أو ربما تخطيطًا يتطلب استشارة خبيرة بعمقها. أو لعلها - كما رجّح أستاذي - تعتكف على وضع اللمسات الأخيرة لكتاب جديد، اختارت أن تكتب فصوله الختامية من قلب الواقع الليبي.
وبعد التقصّي والبحث عنها، اكتشفت أنها من الشخصيات الأكاديمية القليلة التي تملك قدرة فائقة على النفاذ إلى عمق التركيبة الاجتماعية والسياسية للدولة، خصوصًا في المجتمعات التي تلعب فيها القبيلة دورًا محوريًا في التكوين والنشأة. ومن يتابع مسيرة أندرسون يدرك أنها باحثة مستقلة بامتياز؛ فهي لا تكتفي بالتحليل عن بُعد أو الركون إلى التقارير المكتبية الجاهزة، بل تخوض مغامرة البحث العلمي من قلب الواقع، وتستنطق التفاصيل الدقيقة لتبني عليها رؤى ونظريات واسعة حول مستقبل الاستقرار.
يرتكز مشروعها البحثي على التشخيص والكشف؛ فهي تهتم تاريخيًا برصد كيفية فشل أو نجاح المؤسسات في استيعاب الهويات القبلية. ومن هنا تنبع قناعتها بأن فهم ليبيا لا يمكن أن يمر عبر أدوات الديمقراطية الإجرائية، مثل صناديق الاقتراع فحسب؛ بل يتطلب غوصًا في جدلية الخيمة والمدينة والذاكرة المشتركة التي تربط بينهما.
وفي ظل التحولات الراهنة، تبدو تساؤلات أندرسون أكثر إلحاحًا: كيف أعادت الأحداث الأخيرة تشكيل نفوذ القبيلة في مواجهة المؤسسات الهشة؟ وهل لا تزال ليبيا أسيرة لمسار الدولة غير المكتملة الذي وصفته في دراساتها المقارنة؟
وما يميز أندرسون حسب ما قرأت هو شجاعتها النقدية؛ فهي لا تتردد في تقديم رؤى ناقدة للسياسة الأمريكية نفسها، معتبرةً أن التدخلات الخارجية كثيرًا ما تساهم في تشرذم النسيج الوطني بدلًا من بنائه. وهي تبحث اليوم عن الحقيقة كما هي، راصدةً كيفية بناء الليبيين لسرديتهم الوطنية بعد سنوات الصراع، وما إذا كانت هناك بوادر حقيقية لعقد اجتماعي جديد يتجاوز الولاءات الضيقة. ومن خلال ذلك، تحاول رسم ملامح واقعية لمستقبل الدولة الوطنية في ليبيا.
إن الوقوف عند تجربة الباحثة ليزا أندرسون يضعنا أمام مرآة كاشفة لواقع البحث العلمي في بلادنا، ويستدعي سؤالًا جوهريًا: هل عجزنا عن أن نكون مثلها؟
قد يتحجج البعض بأن أندرسون نتاج بيئة محفزة، ودولة تدعم البحث الموجه بسخاء، ومؤسسات تذلل الصعاب للوصول إلى النتائج. وهذا حق؛ فالجدارة العلمية لا تنبت في فراغ
في المقابل، لا يزال الباحث الليبي تائهًا في دهاليز الإجراءات الإدارية؛ بين وثائق مطلوبة للجامعات، وتعقيدات وزارة المالية، وساعات تدريسية تثقل كاهله، وسط بيئة تفتقر إلى التقدير الحقيقي للبحث العلمي أو الثقة في مخرجاته. وتتمثل المعضلة الكبرى في منظومة تفكير المسؤول؛ إذ يغيب البحث العلمي عن آلة اتخاذ القرار، ولا يُنظر إلى الباحثين كفريق لإنتاج الحلول، بينما تعمل تروس القبيلة والمحاصصة بجدّ ونشاط في مفاصل الدولة كافة. إن الغرض من هذا الطرح ليس جلد الذات، بل لفت انتباه زملائي الباحثين إلى خطورة الموقف. نحن نعيش مفارقة عجيبة؛ تُدرس قضايانا وتُفكَّك بدقة من قِبل الآخرين، بينما نكتفي نحن بدور المتفرج، أو في أحسن الأحوال نكون مجرد عينة بحث في دراساتهم.
إن منهج ليزا أندرسون، الذي يغوص في جدلية الخيمة والمدينة ويبحث عن الحقيقة في قلب الصعاب، هو دعوة لنا جميعاً للتدبر؛ فإذا لم نبادر نحن إلى استنطاق ذاكرتنا الوطنية وتشخيص أزماتنا بمنهجية علمية رصينة، سنظل مفعولاً بنا في سرديات يكتبها غيرنا، وسيبقى البحث العلمي في بلادنا مجرد حبر على ورق البيروقراطية.
وفي هذا السياق، يستحضرني نموذج الشيخ الطاهر الزاوي؛ الذي عاش ظروفاً قاسية في مهجره بمصر، حيث لم تكن قلة الموارد المالية عائقاً أمامه في استنطاق الذاكرة الوطنية، فأهدى للمكتبة الليبية مؤلفات لا تزال المراجع الأهم في تاريخنا، وعلى رأسها كتاب (جهاد الأبطال في طرابلس الغرب )، وغيره من الكتب التي أصّلت لتلك المرحلة المفصلية.
فهل نحن مستسلمون لواقعنا، أم سنستلهم من تاريخنا قوة التغيير؟

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن