|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

جهاد حمدان
2026 / 5 / 7
لم يكن هاتف "أبو المجد" قد توقف عن الرنين والاهتزاز منذ أن تسرّب خبر ترفيعه. في تلك اللحظة الفارقة، وبمجرد أن قرأ اسمه مقترناً بلقبه الجديد، منتقلاً من رتبة "مدير قسم" إلى "مدير دائرة" في إحدى الصحف اليومية المعروفة، حدث له تحول فيزيولوجي ونفسي مفاجئ؛ اعتدلت قامته تلقائياً، وتنحنح بصوت جهوري لم يعهده من قبل، وشعر بأن نظارته الطبية لم تعد تليق إلا بنظرات ثاقبة تتأمل مستقبل المؤسسة المشرق على يديه.
جلس على أريكته يفرز إشعارات التطبيقات، يتنقل بخفة جنرال منتصر بين رسائل "الواتس" و"الماسنجر" كمن يفرز غنائم الحرب. كانت رسائل أصدقائه الحقيقيين تبدو باهتة ومخيبة لآماله الجديدة؛ رسائل مقتضبة تقول: "مبروك يا أبو المجد، الله يعينك على هالمسؤولية". أحس بضيق من هذه الكلمات الجافة التي تخلو من أي إيقاع موسيقي يليق بعظمة المرحلة.
لكن ما كان يطرب أذنيه، هو ذلك السيل الجارف من رسائل "ماسحي الجوخ" المحترفين، أولئك الذين يمتلكون قدرة عجيبة على مطّ حرف الواو في كلمة "مبروووووووك" لتبدو وكأنها زفة موسيقية بحد ذاتها. قرأ رسالة أحدهم بابتسامة عريضة: "الرجل المناسب في المكان المناسب، والله إن المناصب بكم تزهو، والكرسي قد نال شرف جلوسكم عليه". للحظة، تخيل "أبو المجد" أن الكرسي في مكتبه الجديد يبتسم له فعلاً بانتظار قدومه الميمون!
وفي مكان آخر من هذا المشهد، كان "ممدوح"، كبير سدنة النفاق، يعيش حالة من الطوارئ القصوى. ممدوح لا يترك شيئاً للصدفة، فهو يمتلك أرشيفاً كاملاً للقص واللصق. بأصابع ترتجف من فرط الحماس ليكون أول المهنئين، قام بنسخ أفخم قالب لديه: "سيدي وصاحب الفضل، بكم تزهو المناصب وتشرئب الأعناق، أنتم القامة والقمة...". وبسرعة البرق، ضغط على زر "إرسال".
لكن، في غمرة حماسه وتسرعه، انزلقت سبابته على شاشة الهاتف، لترسل هذه المعلقة بالخطأ للمسؤول السابق، "أبو طارق"، الذي صدر قرار إحالته على التقاعد في الصحيفة نفسها!
في شرفة منزله، كان "أبو طارق" يرتشف قهوته الصباحية التي بدت أكثر مرارة من المعتاد. اهتز هاتفه برسالة ممدوح. أدرك الرجل بحدسه الإداري المخضرم حقيقة الأمر. ابتسم بمرارة، وقرر أن يلقن هذا المنافق درساً صغيراً، فكتب له:
"أهلاً ممدوح. يبدو أن رسالتك قد ضلت طريقها. عن أي مناصب تتحدث يا عزيزي؟ هل تقصد كرسي الخيزران في شرفة منزلي الذي يزهو بي الآن؟ وفر كلماتك لمن يجلس على الكرسي الدوار، وبلغه تحياتي".
أما ممدوح، فبعد أن تمنى لو تنشق الأرض وتبلعه، مسح العرق عن جبينه ورد بسرعة محاولاً "ترقيع" الكارثة: "العفو يا سيدي! قصدت أن المناصب هي التي كانت تزهو بكم، والآن التقاعد هو الذي سيزهو بقامتكم!". ثم، وبدون تضييع ثانية، نسخ الرسالة الأولى وأرسلها لـ "أبو المجد"، المدير الجديد، مع إضافة خبيثة: "أعانكم الله على تنظيف تركة من سبقكم!".
ابتسم أبو المجد بانتشاء. وفي تمام الثامنة صباحاً، كان يخطو أولى خطواته داخل مبنى الدائرة الحكومية. ولأنه يقفز لأول مرة إلى كرسي "مدير دائرة التحديث الإداري"، توقع أن يجد نظرات الرهبة والانبهار. لكن ما وجده كان موظفين يركضون للحاق بجهاز البصمة، وعامل نظافة يمسح الأرضية بملل دون أن يرفع رأسه.
توجه بخطوات ثقيلة نحو جناحه الإداري. هناك، كان في استقباله "صابر"، مدير المكتب المخضرم. قال أبو المجد بصوته الجهوري: "صباح الخير يا صابر. أتمنى أن تكون ملفات التحديث جاهزة، أمامنا مرحلة حاسمة من التغيير الجذري!".
رد صابر بنبرة رتيبة: "صباح النور عطوفتك. أهلاً وسهلاً. البريد المستعجل جاهز لتوقيع مغادرات الموظفين، ومندوب الصيانة سيأتي بعد قليل لإصلاح تسريب الماء في حمام الإدارة".
دخل أبو المجد مكتبه الفسيح، وتوقف لثانية يتأمل الكرسي الحكومي الدوار الذي "تزهو به المناصب". استدار وجلس عليه ببطء، مغمضاً عينيه ليتشرب عظمة السلطة. تمايل قليلاً إلى الخلف... فصدر عن الكرسي صرير معدني حاد، متبوعاً بهبوط اضطراري وميلان حاد إلى جهة اليسار كاد أن يلقي بصاحب العطوفة على الأرض!
تثبّت أبو المجد بحافة المكتب وقلبه يخفق بشدة. وفي تلك اللحظة الحرجة، رن الهاتف الداخلي، فجاءه صوت صابر ببروده المعتاد:
"عذراً عطوفتك، نسيت أن أحذرك. زمبرك الكرسي الدوار مكسور ومائل منذ عهد المدير السابق، والإدارة المالية تماطل في الموافقة على طلب شراء كرسي جديد..".
أضاءت شاشة هاتف أبو المجد برسالة جديدة على "الماسنجر" تقول: "هنيئاً للمنصب بك، فأنتم السند والعماد الذي تتكئ عليه الدائرة!".
نظر أبو المجد إلى الرسالة، ثم إلى كرسيه المائل، وقبض على حافة المكتب بقوة ليحافظ على توازنه، وأجاب صابر بصوت فقد الكثير من وقاره:
"لا بأس يا صابر.. سأبقى هنا. يبدو أن أولى مهام التحديث الإداري في هذه الدائرة، هي أن أتعلم كيف أميل مع الكرسي الدوار لأتمكن من المحافظة عليه وعلى توازني، خصوصاً وقت اتخاذ القرارات التي تستعصي.. على التدوير
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |