|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
رياض قاسم حسن العلي
2026 / 5 / 6
إذا أردنا أن نقترب من فهم ما يمكن تسميته بـ"المشكلة العراقية"، فلا يكفي أن نصفها بوصف سياسي عابر أو أزمة مرحلية مرتبطة بظرف تاريخي معين، فنحن أمام بنية عميقة من التفكير، تشكّلت عبر تداخل معقّد بين التاريخ، والسلطة، والأيديولوجيا، والمجتمع. هذه البنية تُنتج الانقسام، وتعيد إنتاجه باستمرار، بحيث يصبح الانقسام نفسه نمطًا مستقرًا من الوجود، لا حالة طارئة.
في ظاهر الأمر، تبدو المشكلة كأنها اختلاف في الآراء أو تعدد في الانتماءات، وهو أمر طبيعي في أي مجتمع. لكن ما يجعل الحالة العراقية مختلفة هو أن هذا التعدد لا يتحول إلى تنوع، إنما إلى تنافر، لأن الإطار الذي يُفترض أن يحتويه—أي فكرة الوطن—لم يترسخ بوصفه مرجعية عليا قادرة على تنظيم الاختلاف. وهنا تحديدًا تكمن الأزمة: ليس في وجود الانتماءات، لكن في غياب ما يعلو عليها.
من الناحية التاريخية، لم تتشكل الدولة في العراق الحديث كنتيجة تطور اجتماعي داخلي متدرج، حيث جاءت إلى حدّ كبير ككيان مفروض ضمن ترتيبات إقليمية ودولية. هذا النشوء المرتبك للدولة جعل العلاقة بينها وبين المجتمع علاقة غير مكتملة، وأحيانًا كانت علاقة ريبة متبادلة. فالدولة لم تنجح في أن تصبح التعبير النهائي عن الإرادة الجماعية، والمجتمع لم يرَ فيها دائمًا تمثيلًا صادقًا لهويته.
هذا الخلل البنيوي فتح المجال أمام الأيديولوجيات الكبرى لتملأ الفراغ. فبدل أن يكون الوطن هو الإطار الذي تُفهم من خلاله السياسة، أصبحت السياسة تُفهم من خلال أطر أوسع من الوطن: أممية، قومية، أو دينية. وهكذا، لم يعد العراق مركز الانتماء، إنما أصبح نقطة تقاطع لانتماءات تتجاوزه. الشيوعي يرى نفسه جزءًا من حركة عالمية، والقومي يذيب حدوده في أمة أوسع، والإسلامي ينتمي إلى جماعة تتجاوز الجغرافيا. في كل هذه الحالات، يتراجع الوطن من كونه "أصلًا" إلى كونه "فرعًا".
هذه الظاهرة تنعكس مباشرة في طريقة تقييم الأفراد. فالفرد لا يُحكم عليه بناءً على سلوكه داخل مجتمعه أو التزامه بمصالحه، لكن بناءً على موقعه داخل خريطة الانتماءات. يصبح السؤال الأساسي: إلى أي صف تنتمي؟ لا: ماذا تفعل لهذا المكان الذي تعيش فيه؟ وبهذا، يتحول الاختلاف الطبيعي إلى شبهة، ويصبح الحياد خيانة، ويُنظر إلى الاستقلال الفكري بوصفه موقفًا مريبًا.
الأخطر من ذلك أن هذه البنية الذهنية تُنتج نوعًا من "الوعي المُستعار"، حيث يُنظر إلى الواقع المحلي من خلال انعكاساته في الخارج. الأحداث التي تقع خارج الحدود تكتسب أحيانًا وزنًا أكبر من الأحداث التي تقع داخلها لأنها مرتبطة بالانتماءات التي تمنح الأفراد شعورًا باليقين. وهنا تتجسد المفارقة: قد يعيش الإنسان في واقع معين، لكنه يفسره ويتفاعل معه وفق معايير مستمدة من واقع آخر.
ويمكن فهم تلك الصورة المجازية: أن تُرفع المظلات هنا لأن السماء تمطر في مكان آخر كتوصيف دقيق لآلية ذهنية تجعل الخارج معيارًا للداخل، وتجعل الانتماء سابقًا على الواقع ومحددًا له.
ولا يقتصر الأمر على الأيديولوجيات الحديثة، حيث يمتد إلى البنى التقليدية، كالعشيرة. فبدل أن تتطور هذه البنية لتصبح جزءًا من نسيج وطني أوسع، نجد في بعض الحالات نزوعًا لإعادة تعريف الذات من خلال أصول خارجية، وكأن الانتماء المحلي غير كافٍ أو غير مُرضٍ. هذا البحث المستمر عن "جذر خارجي" يعكس، في عمقه، أزمة ثقة بالذات الجمعية، أو عجزًا عن إنتاج سردية وطنية جامعة تُشعر الأفراد بالاكتفاء.
النتيجة النهائية لكل ذلك هي ما يمكن تسميته بـ"انسحاب الوطن من الوعي". فالعراق لا يختفي كجغرافيا أو كدولة، لكن كفكرة جامعة. يتحول إلى مساحة تُمارَس فيها صراعات الآخرين، أو تُستعاد فيها معارك رمزية لا تنتمي بالضرورة إلى واقعه. ومع غياب هذا المركز، يصبح كل انتماء جزئي مشروعًا كليًا، وكل اختلاف تهديدًا وجوديًا.
إن أخطر ما في هذه الحالة هو تطبيع الانقسام ، حين يصبح من الطبيعي أن يُعرَّف الإنسان من خلال انتمائه الضيق، وأن يُقصى بسبب اختلافه، وأن يُشكك في وطنيته لأنه لا يردد خطابًا معينًا، فإننا نكون أمام مجتمع فقد معاييره المشتركة، ولم يعد يمتلك لغة جامعة للحكم على الأفعال.
تجاوز هذه الإشكالية لا يمكن أن يتم عبر الدعوة المجردة إلى "الوطنية"، لأن الوطنية نفسها فقدت معناها في هذا السياق، وأصبحت أحيانًا مجرد شعار يُستخدم داخل الصراعات. المطلوب هو إعادة بناء مفهوم الوطن بإعتباره إطارًا قانونيًا وأخلاقيًا يسبق الانتماءات ولا يلغيها، ويمنحها معنى بدل أن يتركها تتصارع في فراغ.
وهذا يقتضي...
أولًا، إعادة تعريف المواطنة بكونها علاقة حقوق وواجبات لا علاقة ولاءات.
وثانيًا، بناء سردية تاريخية وثقافية تُشعر الأفراد بأنهم جزء من قصة مشتركة، لا مجرد تقاطعات مؤقتة. كما يتطلب ذلك تحرير الفضاء العام من هيمنة الخطابات التي تُغلقه على تفسير واحد، وفتح المجال أمام تعددية حقيقية لا تُختزل في صراع هويات.
لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر ما لم يمتلك مركزًا رمزيًا ومعنويًا يعود إليه أفراده عند الاختلاف. وفي الحالة العراقية، لا يبدو أن هذا المركز يمكن أن يكون إلا الوطن نفسه بكونه تجربة معيشة، وعدالة ملموسة، وإطارًا يعترف بالجميع دون أن يطلب منهم أن يتشابهوا.
وحينها فقط، قد تتغير الصورة: لن تُرفع المظلات لأن السماء تمطر في مكان آخر، لكن لأن الناس هنا بدأوا أخيرًا ينظرون إلى سمائهم.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |