|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 5 / 6
شهدت الفعالية التي عُقدت أمس الثلاثاء الموافق 5 مايو 2026م حول آفاق التعاون بين الهيئة الليبية للبحث العلمي واتحاد مجالس البحث العلمي العربية نقاشات مهمة، كان أبرزها محاضرة خبير منظمة الملكية الفكرية – الويبو- حول مؤشرات الابتكار العالمي. لكن المثير للاستغراب - وهو ما استوقفني كثيرًا- هو استمرار افتقار المنظمة إلى بيانات دقيقة تخص ليبيا، رغم وجود تمثيل ليبي رسمي في سويسرا مقر المنظمة، ووجود منسّق وطني داخل البلاد. وقد بدا إصرار المنظمة على حضورهم لهذه الفعالية خطوة تهدف ظاهريًا إلى تجنب الحرج وتُحاول تجسير الهوة المعلوماتية.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ألم يكن من الأجدر بهؤلاء المندوبين المبادرة إلى التنسيق لعقد مثل هذه اللقاءات، والقيام- بشكل استباقي- بتوضيح موقع ليبيا الحقيقي في خارطة الابتكار العالمي، بدل انتظار مبادرة من جهات أخرى؟ وهنا أسارع إلى القول إن غياب البيانات ما هو إلا نتيجة لقصور في التنسيق المؤسسي بالدرجة الأولى؛ الأمر الذي يضع ليبيا خارج نطاق التصنيفات الدولية، رغم توفر العناصر البشرية القادرة على تمثيلها.
ويضعنا هذا المشهد أمام تساؤلات حيوية تتجاوز مجرد الحضور البروتوكولي:
• هل بوصلة الابتكار في ليبيا واضحة المعالم فعلًا؟
• هل يُفترض بمهمة المندوبين أن تظل حبيسة الأطر الإدارية والدبلوماسية فحسب، أم أن المرحلة تقتضي تكليف خبراء فنيين يمتلكون جسور تواصل فاعلة مع المراكز البحثية والجامعات والجهات ذات الصلة؟
لقد كشف عرض خبير منظمة الويبو عن ما يمكن تسميته بالمسكوت عنه؛ فنحن لا نحتاج فقط إلى الحضور، بل إلى مراجعة شاملة لآليات تعاملنا مع المنظمة، وإلى صياغة خارطة طريق وطنية تضمن إدراج اسم ليبيا في التقارير الدولية إدراجًا يعكس واقعها الأكاديمي والبحثي.
وإنني هنا لا أسعى إلى توجيه نقد شخصي للمندوبين؛ فهم جزء من منظومة تعمل حاليًا دون بوصلة واضحة أو قياس حقيقي للأثر. ولكن يظل السؤال الجوهري قائمًا: ما الجدوى من دفع رسوم العضوية للمنظمة إذا كنا غير قادرين على استثمارها في تقديم ورش عمل توعوية، أو عقد جلسات تفكير استراتيجي تُبرز أهمية هذه الجهود؟ إن غياب الوعي المجتمعي والمؤسسي بهذه الأعمال يجعل دفع الرسوم مجرد إجراء شكلي لا يخدم طموحاتنا في الولوج إلى اقتصاد المعرفة.
خلال هذه الفعالية سادت حالة من الصدمة والدهشة الممزوجة بالحرج بين المشاركين؛ إذ وضع العرض التوضيحي الجميع أمام مرآة الواقع. وبعد انتهاء النقاش، بادرني صديقٌ بكلمات تملؤها الحسرة: أين نحن؟ ولماذا يلوذ المسؤولون بالصمت أمام هذا الغياب؟
وكان من المريب أن يتجنب كثيرون طرح التساؤلات الجوهرية التي تضع النقاط على الحروف، خاصة وأن الفعالية كانت تستهدف بالأساس قادة المراكز البحثية. هذا الصديق- الذي لم يحتمل رؤية اسم ليبيا يسقط من مؤشرات الابتكار العالمي- لم يكتفِ بالتعجب، بل أطلق دعوة صريحة لضرورة عقد ورشة عمل أو لقاء وطني عاجل لمناقشة هذه الفجوة المعلوماتية، والتي وضعت ليبيا في الصفوف الخلفية ضمن تصنيفات الدول الهشة. كما يضعنا هذا الوضع أمام استحقاق وطني يدفعنا بالضرورة إلى مساءلة الهيئة العامة للمعلومات: أين دورها في توفير البيانات اللازمة لتدقيقها واعتمادها ضمن مؤشرات الابتكار الدولية؟ ولماذا يتسم أداؤها بعدم الفعالية، خاصة في تعاطيها مع المراكز البحثية والجمعيات العلمية؟ إن غياب التنسيق الجدي يعكس فجوة مؤسسية تعيق وصول منجزاتنا العلمية إلى المنصات العالمية.
وقد كشف تقرير مكتب المشاريع الابتكارية والريادية بالهيئة الليبية للبحث العلمي، خلال لقاء عُقد بمركز بحوث التقنيات الحيوية (4 مايو 2026م)، عن حراك ابتكاري جاد يواجه جداراً من المعوقات التمويلية. ولعل الشهادة الصادمة لأحد مديري المراكز البحثية حول اضطراره لتسجيل ابتكارات في الولايات المتحدة بتمويل ذاتي - بسبب غياب بنود تغطي تكاليف الملكية الفكرية في الميزانية العامة - تعكس عمق الفجوة الهيكلية؛ حيث يقف الطموح البحثي وحيداً أمام جمود المنظومة المالية التي تعجز عن حماية الابتكار الليبي دولياً.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى وهي : كيف نتطلع لابتكار وريادة أعمال دون تخصيص تمويل مخصص لهما؟ إننا بهذا النهج كمن ينتظر المطر لريّ حقول شاسعة دون حرث أو استثمار. فالابتكار لا ينمو بالصدفة، بل يحتاج إلى منظومة دعم شاملة، وحوافز تشجيعية، وسياسات وتشريعات مرنة، وعقول واعية تؤمن بأن البحث العلمي قاطرة الاقتصاد.
لكن العائق الأكبر، في تقديري، لا يزال يكمن في عقلية الإدارة. ولعل ما حدث معي بالأمس يجسد هذه المعضلة؛ فقد تواصلت مع أحد المسؤولين بلجنة التعليم في البرلمان لمناقشة هذه الفجوة الاستراتيجية، فكان الرد عبارة عن ضجيج في الطرف الآخر. وحين اقترحتُ تأجيل المكالمة لوقت أفضل، استغل الطرف الآخر العرض لينهي الحوار بكلمة سوف نتواصل لاحقاً، وهي العبارة التي لم يتبعها أي تواصل حتى اللحظة، هذا الموقف يختصر الأزمة: نحن لا نفتقد الكوادر، بل نفتقد القيادة الاستراتيجية والمسؤول الواعي الذي يمتلك بوصلة واضحة، ويدرك أن الوقت لم يعد يعمل لصالحنا، وأن دعم هذه الأنشطة أصبح ضرورة لبقاء الدولة في خارطة العصر.
أمام هذا الواقع، لم يعد مسموحاً أن نقف موقف المتفرج ونترك الأيام تفعل بنا ما تشاء. إن الوضع الراهن يستدعي طرح مبادرات وطنية تتجاوز حدود الشعارات؛ فنحن بحاجة ماسة لعقد لقاء وطني عاجل يجمع كافة المهتمين والخبراء، ويؤسس لقنوات اتصال فاعلة مع الجهات ذات العلاقة، وعلى رأسها: الهيئة الليبية للبحث العلمي، والهيئة العامة للمعلومات، والمجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي.
إن الهدف ليس مجرد صياغة استراتيجيات وطنية طويلة الأمد قد تظل حبيسة الأدراج، بل ما نحتاجه فعلياً هو ورشة عمل علاجية مستعجلة، هذا الورشة تختص بمهمة محددة وهي إعادة النظر جذرياً في وضع ليبيا داخل منظمة الملكية الفكرية، وبحث كيفية توظيف هذا التواجد الدولي بما يخدم مصلحتنا الوطنية الراهنة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |