|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 5 / 6
في ليلةٍ لم تكن تختلف كثيراً عن غيرها، كانت المدينة تغطّ في صمتٍ يشبه التواطؤ، كأنها تعرف أكثر مما تقول، وتخشى أن تبوح بما تعرف. وحدها الشائعات كانت مستيقظة، تتجوّل في الأزقة مثل قططٍ جائعة، تلتقط من كل بيتٍ همسة، ومن كل مقهى نصف جملة، ثم تعود لتنسج منها حكايةً كاملة، بلا شاهدٍ واحد، وبألف مصدّق.كنتُ أجلس في زاويةٍ من مقهى قديم، حيث الطاولات تعرف أسرار روّادها أكثر مما يعرفون أنفسهم. اقترب مني رجلٌ لا ملامح له، أو ربما كانت ملامحه تشبه الجميع إلى حدّ التلاشي، وجلس قبالتي دون استئذان، كأن بيننا موعداً قديماً لم أتذكره.قال بصوتٍ خافت: "هل سمعتَ آخر صفقة؟.. ابتسمتُ، لا لأنني سمعت، بل لأنني أدركت أنني سأسمع، شئت أم أبيت. في هذه البلاد، لا أحد ينجو من الأخبار، حتى الذين لا يقرأون.أشعل سيجارته، ونفث دخاناً بدا كأنه يرسم خريطةً في الهواء، ثم تابع: "يقولون إن البلاد تُقسَّم من جديد… لا على الورق هذه المرة، بل في العتمة… حيث لا تُرى التواقيع، ولا تُسمع الأصوات."لم أسأله عن الأسماء، لأن الأسماء في مثل هذه الحكايات تتبدل أسرع من الحقيقة. اليوم فلان، وغداً آخر، لكن القصة تبقى نفسها، كأنها نصٌّ محفوظ يُعاد تمثيله بوجوهٍ مختلفة.قلت له: "وهل تصدّق؟"
نظر إليّ طويلاً، كأن سؤالي كان ساذجاً أكثر مما ينبغي، ثم قال: "في بلدٍ يصبح فيه المستحيل احتمالاً يومياً… لماذا لا أصدّق؟".. صمتنا قليلاً، وكان الصمت بيننا أكثر بلاغةً من الكلام. في الخارج، مرّ رجلٌ بعمامةٍ بيضاء، يمشي بخطى واثقة، كأنه يحمل فوق رأسه تاريخاً لا يُناقش. تبعته عيون المارة باحترامٍ آلي، كأنهم لا يرونه، بل يرون ما يُفترض أن يمثّله.سألتُ الرجل: "هل ترى ما أرى؟"
قال: "أرى رمزاً… لكنني لا أعرف إن كان ما زال يدلّ على شيء."في هذه البلاد، لم تعد الأشياء كما كانت. الرموز فقدت براءتها، والمعاني تبدّلت مواقعها، حتى صار الشكل أكثر حضوراً من الجوهر، والصوت أعلى من الفكرة. العمامة، البدلة، المنبر، الكرسي… كلها لم تعد أدوات، بل صارت أقنعة، يتبادلها اللاعبون في مسرحٍ لا ينتهي.قال الرجل وهو يحدّق في الفراغ: "المشكلة ليست في من يرتدي العمامة، بل في من يسلّم رأسه لها."ضحكتُ، لكن ضحكتي كانت ثقيلة، كأنها سقطت من مكانٍ بعيد. تذكّرتُ وجوهاً كثيرة، كانت تصدّق كل شيء، وتدافع عن كل شيء، ثم تكتشف متأخرةً أنها كانت تدافع عن الوهم، لا عن الحقيقة."ولماذا يحدث هذا؟" سألته.
أجاب وهو يطفئ سيجارته ببطء: "لأن الحقيقة مُرهقة… تحتاج إلى تفكير، إلى شك، إلى مواجهة. أما الكذبة، فهي مريحة… جاهزة، مكتملة، وتأتيك مغلّفةً بشيءٍ تحبّه."في تلك اللحظة، شعرتُ أن المدينة كلها تجلس معنا، تستمع، لكنها تفضّل الصمت. ربما لأنها تعبت من الكلام، أو لأنها لم تعد تميّز بين ما يُقال وما يجب أن يُقال.في زاويةٍ أخرى من المقهى، كان شابٌ يحدّق في هاتفه، يمرّر الأخبار بسرعة، كأنه يبتلعها دون مضغ. كل خبرٍ عنده يشبه الآخر:فضيحة، صفقة، خيانة، وعدٌ جديد. ومع ذلك، لا شيء يتغير، سوى أن التعب يتراكم في عينيه أكثر.
قلت للرجل: "وهل هناك مخرج؟"
ابتسم، وكانت ابتسامته أقرب إلى الحكمة منها إلى الأمل: "المخرج ليس باباً… بل قرار.""أي قرار؟".. "أن لا تصدّق بسهولة… وأن لا ترفض بسهولة. أن تفكّر، حتى لو كان التفكير يؤلم."
نهض فجأة، كأنه تذكّر شيئاً مهماً، ثم قال قبل أن يغادر: "في هذه البلاد… لا يُسرق النفط فقط، بل يُسرق الوعي أيضاً. وحين يُسرق الوعي، يصبح كل شيءٍ آخر تفصيلاً."ترك الطاولة ومضى، وبقيتُ أنا وحدي، أو هكذا ظننت. لكن الحقيقة أنني لم أكن وحدي أبداً. كانت المدينة كلها معي، بثقلها، بأسئلتها، بصمتها الطويل.خرجتُ إلى الشارع، وكانت الأضواء خافتة، كأنها تخجل من إنارة ما يحدث. مررتُ بجانب جدارٍ كُتب عليه شعارٌ كبير، يعد بالكرامة والعدالة. تأملتُه قليلاً، ثم أدركت أن الجدران في هذه البلاد تكتب أكثر مما تُمحى، لكن أحداً لا يقرأ.رفعتُ رأسي إلى السماء، فبدت بعيدةً على غير عادتها، كأنها قررت أن تنأى بنفسها عن هذا المشهد. عندها فقط فهمتُ شيئاً بسيطاً، لكنه ثقيل:أن الوطن لا يُباع في صفقةٍ واحدة، بل يُباع بالتقسيط…
كل يوم، جزءٌ صغير من الحقيقة،
وجزءٌ أكبر من الصمت.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |