|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
رحيم الحلي
2026 / 5 / 5
كان يسارياً وطنياً من بين أولئك الذين رفضوا النوم في قصور الاستراحة ، شجاعاً مثل رياض الترك الشيوعي الوطني الذي سجنه حافظ الاسد 19 عاماً ، لم يفعل كما فعل الكثيرون ، أن يأكل ويحتسي وينام ، أن لا يسمع وأن لا يرى وأن يضع اللجام .
يُعدّ ميشيل كيلو واحداً من أبرز الوجوه الفكرية والسياسية في المعارضة السورية الحديثة. وُلد في 7 يناير 1940 في اللاذقية. كان صحفياً وكاتباً ومترجماً، وواحداً من المثقفين الذين اختاروا الانحياز إلى الحرية في مواجهة السلطة. انتمى في بداياته إلى الحزب الشيوعي السوري، ثم وجد نفسه يسبح عكس التيار، مع الوحدة ضد القومجية ومع الديمقراطية ضد الاستبداد ومع المجتمع المدني ضد السلطة المتوحشة ، كان من أبرز المشاركين في “إعلان دمشق” عام 2006، الذي طالب بإصلاحات سياسية، الأمر الذي أدى إلى اعتقاله والحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. كما شغل رئاسة مركز “حريات” للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة في عهدي حافظ الأسد ونجله، قبل أن يغادر سوريا ويستقر في فرنسا مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011.
لم يكن ميشيل كيلو سياسياً تقليدياً، بل كان نموذجاً للمثقف اليساري الشجاع الذي لم يفقد استقلاله. منذ بداياته، اختار أن يقف مع الديمقراطية بوصفها قيمة إنسانية، لا مجرد شعار سياسي ، رافضاً الشعارات اللماعة و المصطلحات اليسارية الجاهزة والتصنيفات التي اعتبرت حكم الاسد حكما تقدمياً مقاوماً.
في قراءته لما جرى في سوريا، لم يلجأ كيلو إلى التفسيرات السطحية، بل ذهب إلى عمق الأزمة، حيث رأى أن الانفجار لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكم طويل من التدهور الاقتصادي والاجتماعي. تراجع دور القوى اليسارية بعد تحالفها مع السلطة المستبدة الفاسدة التي لم يكن همها سوى السلطة والتي فعلت كل شيء من اجل الحفاظ على السلطة ومنافعها، فلم تسمح حتى للحزب الشيوعي المتحالف معها رسميا ان يكون له منبر اعلامي حر ، ولم تسمح له باي نشاط اعلامي او نشاط جماهيري ، استخدمت اشد اشكال القمع مع المخالفين لسياستها، وبقيت تحكم البلاد بالاحكام العرفية وحرمت الناس من الامل والحلم بأي فرصة للإصلاح الحقيقي .
اعتمد الاسد في حكمه المتوحش على دعم قادة الفروع الامنية وقادة الجيش المهمين والذين اختارهم بعناية واطلق يدهم للثراء عبر الفساد ، فاشتد الفقر وفقد الناس الامل بصلاح الحاكم وبطانته كانت تلك عوامل دفعت المجتمع إلى حافة الانفجار. لقد كانت الدولة، في نظره، قد فقدت صلتها بالمجتمع، وتحولت إلى جهاز مغلق، عاجز عن تقديم حلول سياسية ، لان السلطة الحاكمة وجدت أن الاصلاح سيكلفها اكثر من الحل الامني والعسكري.
الأهم في تجربة كيلو هو إدراكه المبكر لطبيعة السلطة وآلياتها. فقد كشف أن ما حدث لم يكن مجرد رد فعل على الاحتجاجات، بل كان جزءاً من بنية أمنية مهيأة سلفاً للسيطرة. كانت المعادلة واضحة وقاسية: إما بقاء النظام أو زوال الدولة. وهي معادلة تختزل ذهنية ترى في الوطن ملكية خاصة، وفي المجتمع كتلة يجب إخضاعها لا إشراكها.
ورغم انخراطه في العمل السياسي، وعضويته في الائتلاف الوطني السوري ممثلاً للتيار الليبرالي، ظل كيلو ناقداً حتى داخل صفوف المعارضة، قبل أن ينسحب منها بسبب خلافات، مؤكداً أن الخلل لا يقتصر على السلطة وحدها، بل يمتد إلى بنية المعارضة حين تفقد بوصلتها الوطنية. لقد كان يدرك أن التغيير لا يمكن أن يتحقق بمجرد إسقاط نظام، بل يحتاج إلى وعي عميق يعيد بناء الدولة على أسس جديدة.
في وصيته التي كتبها قبل رحيله، ترك ميشيل كيلو خلاصة تجربته السياسية والفكرية، داعياً السوريين إلى عدم الفصل بين مصالحهم الخاصة والمصلحة العامة، وإلى إدراك أن وحدتهم هي السبيل الوحيد للخلاص، محذراً من الانقسامات التي تجعلهم عرضة للتدخلات الخارجية. لقد كان صوته، حتى في لحظاته الأخيرة، صوت عقلٍ يدعو إلى بناء الداخل قبل مواجهة الخارج.
إن تجربة ميشيل كيلو تضعنا أمام صورة المثقف الذي لم يساوم على قناعاته، ولم يتحول إلى بوق لأي سلطة أو جهة، بل ظل وفياً لفكرة الحرية بوصفها جوهر السياسة وغايتها. في عالم عربي أنهكته الشعارات الفارغة، يبدو كيلو تذكيراً نادراً بأن الكلمة يمكن أن تكون موقفاً، وأن المثقف، حين يختار طريقه الصعب، قد يخسر الكثير، لكنه يربح ذاته، ويترك أثراً لا يمحوه الزمن.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |