‏نحن نستدعي السرطان إلى أجسادنا… كما نستدعي المستعمر إلى أوطاننا

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 5 / 4



‏هناك مفارقة مذهلة في عصرنا:
‏نخاف على أوطاننا من الاحتلال، ونرفع الشعارات، ونكتب البيانات…
‏ثم نفتح الثلاجة بهدوء، وندخل إلى أجسادنا “احتلالًا غذائيًا” من نوع آخر، أكثر لطفًا في الشكل… وأكثر فتكًا في الأثر.

‏أولًا: الطعام المعلّب… الدبلوماسية الغذائية

‏الطعام المعلّب يبدو مهذبًا جدًا:
‏علبة أنيقة،
‏تاريخ صلاحية طويل،
‏ووعود براقة مثل: “طبيعي 100%”.
‏لكن الحقيقة أنه يشبه اتفاقية دولية سيئة الصياغة:
‏كثير من الكلمات الجميلة… وقليل من الغذاء الحقيقي.
‏نأكله ونحن مطمئنون،
‏كما لو أننا نوقّع على عقد سلام مع أجسادنا،
‏بينما هو في الواقع هدنة قصيرة المدى مع المرض.

‏ثانيًا: الوجبات السريعة… الاستعمار الذي يأتيك إلى بابك

‏في الماضي، كان الاحتلال يحتاج جيوشًا وسفنًا.
‏اليوم يكفي تطبيق على الهاتف، وزر “اطلب الآن”.
‏الوجبة السريعة لا تطلب إذنًا للدخول:
‏تقطع الطريق،
‏تقتحم اليوم،
‏وتغادر بسرعة… تاركة خلفها ما يشبه “أثرًا استعماريًا داخليًا”.
‏إنه احتلال ناعم:
‏لا يرفع علمًا… لكنه يرفع السكر والدهون والكوليسترول.

‏ثالثًا: الجسد… دولة بلا حدود محمية

‏المشكلة أننا نتعامل مع أجسادنا كأنها أراضٍ بلا سيادة:
‏ندخل أي شيء، بأي كمية، في أي وقت، ثم نتفاجأ بالنتائج.
‏دهون تتراكم،
‏طاقة تنخفض،
‏وأمراض تتسلل بهدوء.
‏لكننا نصرّ على خطاب مطمئن:
‏“مرة واحدة لا تضر.”
‏ثم تتكرر “المرة الواحدة” ثلاث مرات يوميًا.

‏رابعًا: التسويق… الاحتلال الناعم للعقل

‏الأخطر من الطعام نفسه هو الطريقة التي يُقدَّم بها:
‏“سريع ومريح”،
‏“لذيذ بشكل لا يقاوم”،
‏“استمتع دون تفكير”.
‏إنه خطاب احتلال نفسي متكامل:
‏يعطّل السؤال الأساسي:
‏هل هذا مفيد أم مجرد متعة قصيرة؟
‏والإجابة دائمًا تُؤجَّل إلى ما بعد الوجبة… عندما يكون الأوان قد فات.

‏خامسًا: المفارقة الكبرى

‏نحن شعوب تتحدث عن المقاومة بكل أشكالها،
‏لكننا أحيانًا نستسلم يوميًا أمام أبسط قرار:
‏ماذا نأكل؟
‏وكأن المعركة الكبرى لم تعد على الأرض،
‏بل داخل المعدة… حيث تُحسم المعارك بصمت،
‏دون بيانات رسمية.

‏خاتمة: الاحتلال الذي لا نعلنه

‏لا يأتي السرطان دائمًا كحادث مفاجئ،
‏أحيانًا يأتي كعادة يومية لطيفة،
‏كوجبة “سريعة”،
‏كعلبة “جاهزة”،
‏كراحة “مؤقتة”.
‏وفي النهاية،
‏لسنا دائمًا ضحايا الظروف…
‏أحيانًا نحن من يفتح الأبواب،
‏ويقول بابتسامة:
‏“تفضل… البيت بيتك.”
‏لكن البيت هنا ليس الوطن…
‏بل الجسد.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي