مقارنات للتأمُّل والتفكُّر (قيودنا الثلاثة)

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 5 / 3

الثقافة الايرانية تزرع الصَّبْرَ في نفوس أتباعها، وتحرص على رعايته ليشغل مكانه كأحد أهم مكونات الشخصية. ولا غرابة في ذلك بالنسبة لأناس، بينهم من يمضي عشر سنوات في صناعة السجاد الايراني اليدوي الشهير غالي الثمن.
وفي الخلفية أيضًا المذهب الشيعي القائم أصلًا على الاحتفاء بالشهادة، حيث تشحذ الهمم وتستنهض العزائم كلمة "الشهادة" بحد ذاتها وتعبير "سيد الشهداء".
أما "أبو ايفانكا"، فثقافته المُتعَة السريعة بلا ضوابط أو حدود، ومثالها الأفقع مسلسلات جزيرة "جيفري". ثقافة الصفقات الرابحة، إلهها الدولار وأكثر ما يقلقها نقصه في الجيب. الأخلاق بمنظورها مجرد لغو يُعول عليه الضعفاء، ولا مكان في قاموسها لقوة الحق بل لحق القوة.
بالانتقال إلى وعينا الجمعي العربي، فما يصدر عنه في الغالب الأعم بخصوص ايران يراها من زاوية المذهبية بمفهومها القروسطي الغرائزي. قلما تجد عربيًّا يرى النهضة العلمية في ايران وهي دولة ما تزال نامية، ومحاصرة منذ سبعٍ وأربعين سنة، ويسأل نفسه بلسان عربي مبين: طَيِّب، وإحنا مالْنَا بَعيدِ الشَّرّْ، وما الذي ينقصنا لنتقدم علميَّا كما تتقدم ايران، بل ونتجاوزها؟!
ايران في المرتبة 15 عالميًّا في الانتاج العلمي، منذ 2023، وتنشر ما لا يقل عن 80 ألف وثيقة علمية سنويًّا. وبذلك، فإنها في المركز الأول في الأبحاث العلمية في المنطقة بهذا المجال. وقد ارتفعت أعداد طلبة الجامعات الايرانية من 100 ألف طالب وطالبة عام 1979 إلى 4,7 مليون عام 2016، مما يوفر أهم مقومات بناء قاعدة بحثية واسعة، ونعني العنصر البشري المؤهل.
من هنا بالذات، يبدأ البحث عن أسباب حقد الصهيوأميركي عليها وحروبه العدوانية ضدها.
حققت ايران الاكتفاء الذاتي بنسبة لا تقل عن 90% في أهم مقومات الحياة، وبالتحديد انتاج القمح وتوفير الماء والكهرباء والمواصلات والنسيج. هذا يعني باختصار، أن الايرانيين يأكلون مما يُنتجون وليس مما يستوردون من أعدائهم كما يفعل "غيرهم". ويلبسون مما ينسجون، ويستخدمون ما يُبدعون.
على صعيد متصل، تُنتج ايران 97% من احتياجاتها الدوائية، وقد استغنت عن استيراد العقاقير الطبية، وتصدِّر 110 منتجات طبية إلى 55 دولة. كما تُصنَّف ضمن الدول المنتجة للمعدات والأجهزة الطبية، ذات التقنية العالية (هايتك).
وبنت ايران أول مدينة دوائية في الشرق الأوسط، وذلك في مدينة أراك وسط البلاد.
في ايران 30 ألف عالِم في الطاقة النووية، وتُصنَّف في المرتبة 28 عالميًّا في منتجات التكنولوجيا الفائقة.
ايران بين الدول العشر الأولى عالميًّا في تقنية النانو، حيث تتجاوز مصر والسعودية وتركيا مجتمعة في أبحاث النانو تكنولوجي. وتتقدم في مجالي التكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي.
تُنتج حواسيب عملاقة، مثل "سيمرغ" و "مريم" تستخدم في الصناعة الثقيلة.
لا تستورد أسلحتها، بل تُنتجها. قوتها الصاروخية ذات المديات من 1000 إلى 2500 كيلومتر بعضها يحمل رؤوسًا نووية، فرضت نفسها ويُحسب لها ألف حساب.
تصنع غواصات وسفن حربية، منها "سهند". أضف إلى ذلك الزوارق السريعة، والتقدم في انتاج الطائرات المُسَيَّرَة.
وتوصلت ايران إلى تخصيب اليورانيوم، واستخدامه في توليد الكهرباء وفي الطب.
أطلقت 13 قمرًا صناعيًّا من انتاجها، وهي الدولة التاسعة في نادي الفضاء العالمي.
أدلة فاقعة الدلالة على أن ايران المحاصرة، منذ أربعين سنة، متقدمة على الدول العربية. لماذا؟!
هل لأن الإيرانيين أذكى من العرب؟
أبدًا، لا.
هل يتعلق الأمر بالامكانات، ووجودها في ايران أكثر مما يتوافر منها لدى العرب؟
لا، بل العكس هو الصحيح.
أين المشكلة، إذن؟
الإجابة من دون مزيد بيان، في ثلاثة قيود متضافرة الأثر هي مصدر ما يشقى به العرب من تخلف وضعف وتقهقر حضاري.
الأول، قيد الاحتلال والتبعية للداعم الرئيس للمحتل الغاصب، أي جارة كندا.
الثاني، قيد الاستبداد السياسي.
الثالث، أخطرها ولولاه لما كان القيدان الأول والثاني. رافده الرئيس داخل رؤوسنا، ولعل من أدق تعبيراته: "إن الله سخَّرَ لنا هؤلاء الكَفَرَة ليبدعوا، ونحن نستمتع بابداعاتهم" و "ما للتصنيع خُلِقنا" !!!

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن