14. الأفق الأممي: حدود الثورة الوطنية

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 5 / 2

عبر هذه السلسلة، ركزنا في تناول مشكلة الفصل بين القوة والسلطة على ما يمكن فعله في الداخل؛ على البرنامج الانتقالي كسلاح، وعلى السلطة المزدوجة كآلية لردم الهوة بين القوة الاجتماعية والقدرة على الحكم. لكن فعل الداخل لا يكتمل بمعزل عن فعل الخارج. فدولة الرأسمالية الطفيلية ليست كيانًا منغلقًا؛ هي مرتكزة في بنيتها على علاقات تبعية تجعلها جزءًا عضوًا في نظام السوق العالمي. هنا تغدو المقولة الماركسية الكلاسيكية "البروليتاريا لا وطن لها" ذات معنى مزدوج: تعني العزلة والاغتراب، ولكنها تشير أيضًا إلى ضرورة بناء شبكات أممية، لأن العدو نفسه دولي، وخنق الثورة المحلية يحدث في قاعات خارج الحدود أحيانًا قبل أن يحدث في ميادين العاصمة، كما جرى في التجارب التحررية الكبرى لدول الأطراف. وحده العمل التضامني العابر للحدود — أي كسر العزلة الدبلوماسية، وخلق بدائل اقتصادية في مواجهة الحصار، وتشكيل رأي عالمي مناهض للإمبريالية — هو الكفيل بمنح الفرصة للسلطة البديلة لأن تتنفس.

التجارب الكبرى لهزيمة الثورات في السودان وغيرها كانت تعبيرًا عن نجاح الإمبريالية في فرض الفصل، ليس بين القوى المحلية وبين السلطة فقط، بل بين الثورة الوطنية وبين العالم. قبل اندلاع انتفاضة أبريل 1985 وفي أعقابها مباشرة، كان نظام نميري يتمتع بحماية إقليمية ودولية متشابكة؛ فالولايات المتحدة كانت ترى فيه حليفًا في مواجهة الاتحاد السوفياتي وليبيا القذافي في آنٍ واحد، فيما كانت السعودية ومصر تمتلكان مصالح في عدم سقوط النظام بشكل يهدد مناطق نفوذهما. بعد السقوط، لم يُترك الانتقال في عزلة؛ تدخلت القوى الإقليمية لضمان استمرارية حكم مروَّض. مصر تحت مبارك رعت الانتقال بشرط استمرار السياسات الاقتصادية الملتزمة باتفاقات سابقة، والعواصم الخليجية تمكّنت من دفة الاقتصاد بتقديم مساعدات مالية مقابل الحفاظ على الانفتاح النيوليبرالي والسيطرة على موارد الطاقة. هذا الضغط المركب جعل أي حكومة مدنية ناشئة تخاف حتى مجرد مناقشة تأميم القطاعات الحيوية أو مراجعة شروط خدمة الديون، وهكذا أُعيد إنتاج النظام الطفيلي نفسه.

ما جرى بعد انتفاضة ديسمبر 2018 وقع في الإطار ذاته، لكن بأدوات أكثر وضوحًا وتوثيقًا. في الحادي عشر من أبريل 2019 سقط البشير، وبعد عشرة أيام فقط، في الحادي والعشرين من الشهر نفسه، أعلنت السعودية والإمارات عن حزمة مساعدات بقيمة ثلاثة مليارات دولار للمجلس العسكري الانتقالي، أُودِع نصف مليار منها مباشرة في حساب البنك المركزي السوداني، وجاء الباقي على هيئة وقود وأدوية ومواد غذائية. كان ذلك حقنة إنقاذ للعسكر في لحظة كان الاعتصام المفتوح أمام القيادة العامة يطالب بسلطة مدنية كاملة. هذه المساعدات لم تكن مجرد دعم اقتصادي، بل كانت توجّهًا سياسيًا صارمًا لفرض نموذج "الانتقال المضبوط": شراكة مدنية-عسكرية تبقى فيها قرارات الأمن والاقتصاد بيد الجيش، مع وعود انتخابية لا تُحدث تغييرًا جوهريًا في البنية. وقد أشارت تقارير موثوقة إلى أن الإمارات كانت قد أوقفت في وقت سابق شحنات الوقود إلى السودان في نهاية 2018، مما أسهم في تأجيج أزمة المحروقات والخبز التي أشعلت الانتفاضة، وهو — إن صح — يعني أن الإمارات أشعلت الأزمة ثم ركبتها، وهو نمط إمبريالي مألوف في التاريخ.

لم تكن هذه التدخلات الإقليمية منعزلة عن اللاعبين العالميين. بينما أعلنت إدارة ترامب أنها تدرس عقوبات ضد المسؤولين عن مجزرة يونيو 2019، كشفت وثائق لاحقة أن الولايات المتحدة أوقفت فعليًا خطط العقوبات خوفًا من تعطيل اتفاق تقاسم السلطة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير. كان مسؤولون في وزارة الخارجية والخزانة يُعدّون استراتيجية عقوبات، لكن الحسابات الاستراتيجية الأشمل — الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ومخاوف التطرف، والتطبيع مع إسرائيل الذي كان السودان ورقة فيه — تغلبت على اعتبارات حقوق الإنسان. في المقابل، انخرطت روسيا بطريقتها الخاصة، إذ دافعت عن شرعية المجلس العسكري ومنعت إصدار بيان إدانة دولي في مجلس الأمن بعد فض الاعتصام، أما تركيا فسجّلت حضورًا أكثر هدوءًا في مرحلة التفاوض دون أن تعترض على منطق الهيمنة الخليجية الأشمل.

في هذا الواقع التبعي المتشابك، لا يمكن لمعجزة أن تحدث دون شبكات تضامن أممية قادرة على كسر العزلة. التاريخ يثبت أن الثورات الاشتراكية الناجحة لم تنجُ إلا بقدرتها على خلق فضاء موازٍ يحميها من الخنق الخارجي. تشيلي في عهد سلفادور أليندي عانت من حصار اقتصادي خانق نفذته واشنطن وشركات متعددة الجنسيات قبل أن يقصف بينوشيه قصر الرئاسة؛ لم تسقط الثورة التشيلية بالرصاص فحسب، بل سقطت أولًا بانهيار إمدادات النحاس وشروط الائتمان. ولم تكن الثورة الكوبية لتصمد لولا التضامن المادي والسياسي من الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الاشتراكية. كذلك كشفت تجربتا زيمبابوي وفنزويلا كيف يمكن للحصار الاقتصادي أن يحول الانتصار الانتخابي إلى أزمة حكم مزمنة. الاستنتاج حاسم: أي ثورة وطنية في السودان لا يمكنها أن تكسر الفصل بين القوة والسلطة إذا بقيت وحدها، محاصرة بمواردها الضعيفة ومحكومة بمراكز القوى العالمية والإقليمية المعادية.

لكن ما هو الأفق الأممي الذي نتحدث عنه؟ ليس رومانسية عن أممية ثورية منسية، بل مشروع عملي لبناء جسور فعّالة على ثلاثة مستويات. أولها بناء قواعد دعم مع نقابات عمالية وأحزاب اشتراكية وحركات مناخية عالمية، مثلما استفادت حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات الدولية في الثمانينيات. ثانيها فتح شرايين اتصال بديلة: إعلام مهجري مستقل، وشبكات لجوء سياسي ومالي، وقنوات إغاثة إنسانية تمنع تشكيل حصار غذائي تدريجي. ثالثها، والأكثر جرأة، استغلال تناقضات الطبقات الحاكمة في الدول الراعية للنظام؛ فالسعودية والإمارات، رغم عدائهما للثورات الشعبية، تعانيان من حاجة دائمة للشرعية الدولية، مما يعني إمكانية ممارسة ضغط عكسي عبر منظمات حقوقية وبرلمانات غربية لتقليص دعمهما للمجالس العسكرية.

على المستوى النظري، يتطلب تفعيل الأفق الأممي مراجعة إرث اليسار التقليدي في بناء التنظيمات. لم تعد الهندسة العضوية بمركز واحد — كالأممية الشيوعية أو الرابعة — ممكنة في عصر تنوع التحديات وتفتيت الهويات الطبقية. المطلوب شكل لا مركزي من التنسيق: ائتلافات ظرفية حول قضايا عابرة للحدود — حرب ديون، خصخصة مياه، عدالة مناخية، تسليح الأنظمة. يتطلب ذلك من الحركات الثورية أن تدمج صراعها المحلي بالنضالات الإقليمية والدولية؛ فانتصار أي عمال في ميناء جدة أو بورسودان على شركات شحن احتكارية هو جزء من معركة فك الاختناق التجاري عن السودان. وعلى العكس، هزيمة أي انتفاضة في مصر أو تونس تترك أثرًا ارتداديًا فوريًا على السودان. ما يميز المرحلة الراهنة هو انكشاف أزمة النظام المعولم إثر أزمات طاقة وسلاسل توريد، وهو ما يخلق فرصًا لاختراق استثنائية لا ينبغي التفريط بها.

هذه الأفكار ليست مثالية، بل هي مسائل بقاء محض. كلما قرأنا مسار انتفاضاتنا، وجدنا أن النظام أطاح بها عبر إغلاق ثلاث بوابات بالتتابع: بوابة القمع داخل الدولة، وبوابة التفاوض حول الانتقال، وبوابة الحصار الخارجي. في عدم التكافؤ بين الموارد المحلية والكتل الإقليمية والدولية، يتجلى الفصل بين القوة والسلطة من نافذته الثالثة. طالما بقيت الثورة السودانية تُصوَّر كقضية داخلية خالصة، ستظل غير قادرة على بناء السلطة البديلة، لأن قوى رد الفعل ستمتلك دائمًا أوراق ضغط خارجية لا يمكن مواجهتها في الداخل وحده. لذا يتطلب كسر الفصل اعترافًا جذريًا بأن مصير انتفاضة أبريل ومصير كل قوى التحرر في الأطراف الرأسمالية واحد: لا يمكن تحرير مجتمع واحد دون أن تتحرر المجتمعات التي يرتبط بها اقتصاديًا وسياسيًا.

"إن تحرير الطبقة العاملة يجب أن يكون عملاً تقوم به الطبقة العاملة نفسها" — مع إضافة واعية يفرضها الواقع: إنه عمل تقوم به الطبقة العاملة العالمية، عابرة سياجات الدولة، وإلا فالفشل التكراري مصير كل محاولة منفردة.

"العمال ليس لهم وطن... ولكن بما أن البروليتاريا يجب أن تسيطر أولاً على التنظيم السياسي الوطني، وترتقي بنفسها إلى الطبقة الحاكمة، فإنها تعلن نفسها الأمة... ومع ذلك فإن الصراع بين البروليتاريا والبرجوازية هو أولاً صراع وطني، وإن كان ليس بمعناه البرجوازي... يا عمال العالم اتحدوا!"
كارل ماركس وفريدريك إنجلز.

النضال مستمر،،

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن