‏قهوة الصباح في حديقتي – عام 2040

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 5 / 4


‏أجلس في الحديقة كما اعتدت دائمًا، لكن الزمن هذه المرة صار أكثر شفافية.
‏القهوة بين يديّ، دافئة، مطمئنة، كأنها صديقة قديمة لم تخن اللقاء يومًا.
‏استيقظت قبل النحل… أو هكذا ظننت.
‏الندى يلمع على أوراق الزهور، كل قطرة مرآة صغيرة تعكس سماء لم تكتمل زرقتها بعد. أتنفس بعمق، كأنني أستعيد شيئًا فقدته طوال الليل: نفسي.
‏أراقب الصباح وهو يتكوّن.
‏لا يأتي دفعة واحدة، بل يُخاط ببطء… خيط ضوء، خيط نسيم، خيط حياة.
‏أهمس لنفسي: ما زلت هنا… وهذا يكفي.
‏لكن الحديقة، هذا الصباح، لم تكن لي وحدي.
‏فجأة…
‏خطوتان صغيرتان تقطعان سكون التأمل، وضحكتان تتفتحان أسرع من الزهور.
‏تتباغتني حفيدتاي: يارا ونهلة.
‏يارا، ابنة نور… تحمل في عينيها فضول الضوء.
‏ونهلة، ابنة كرم… تضحك كأن العالم لا يعرف الحزن.
‏يركضان نحوي كفراشتين أخطأتا طريقهما، أو كنحلتين وجدتا رحيقًا مختلفًا.
‏تتعلقان بكتفيّ، تعبثان بشعري، وتبدآن طقسهما الصباحي:
‏ملاطفة “جدو محمد”.
‏أضحك…
‏ضحكة لم أكن أعرف أنني ما زلت أملكها.
‏أقول في سري:
‏ها هما النحلتان الحقيقيتان… وصلتا قبلي.
‏نجلس معًا وسط الزهور.
‏أمدّ فنجانًا صغيرًا ليارا، وآخر لنهلة—ليس قهوة بالطبع، بل حليب دافئ يشبه براءتهما.
‏نصنع طقوسنا الخاصة: أنا أرتشف القهوة، وهما ترتشفان الأسئلة.
‏تمطراني بها… بلا رحمة:
‏– جدو، شو سرّك؟
‏– ليش عندك كتير كتب؟
‏– بتحب مين أول مرة؟
‏– كنت مثلنا؟ ولا كنت كبير من الأول؟
‏أتأمل وجهيهما…
‏وأدرك أن الأسئلة أجمل من الأجوبة.
‏أقول ليارا:
‏“سرّي؟ أني ما كبرت كما يجب.”
‏وأقول لنهلة:
‏“كتبي؟ هي طريقتي لأفهم العالم… أو لأختبئ منه أحيانًا.”
‏أما عن الحب الأول…
‏فأصمت لحظة، أترك القهوة تتكلم عني.
‏ثم أبتسم:
‏“كان يشبه هذا الصباح… جميلًا، وبسيطًا، ولم يبقَ منه إلا الضوء.”
‏تضحكان، كأنهما لم تفهما، أو كأنهما فهمتا أكثر مما يجب.
‏تلتصق يارا بيدي، وتقول:
‏“نحنا بنحبك هلأ… مو زمان.”
‏وتضيف نهلة:
‏“يعني حبنا أقوى!”
‏أهز رأسي موافقًا، دون نقاش.
‏فبعض الحقائق لا تحتاج برهانًا.
‏الشمس ترتفع الآن،
‏تغمر الحديقة، تلامس وجوهنا الثلاثة، وتعلن بداية يوم جديد.
‏أنظر إليهما…
‏إلى النحلتين اللتين لا تجمعان الرحيق، بل تمنحانه.
‏وأفهم أخيرًا:
‏أن القهوة في 2040 لم تعد مجرد فنجان…
‏بل حكاية تُشرب،
‏وضوء يُورّث،
‏وقلب… يتسع لجيلين من الحب.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي