سوسيولوجيا الذاكرة في الجامعات الليبية: مراجعة الثقوب السوداء والبحث عن المشتركات الوطنية

حسين سالم مرجين
2026 / 5 / 1

إن الكتابة عن تاريخ الجامعات الليبية لا ينبغي أن تظل رهينة بالأرقام والإحصاءات الجافة، بل ينبغي استحضارها بوصفها فضاءات اجتماعية حيوية صاغت وجدان النخب الوطنية ووجّهت مساراتها. غير أن ما يثير القلق حقًا هو الندرة البحثية في هذا الجانب؛ إذ تمحور جل النشاط البحثي حول الطرح التاريخي في لغة القياس والإحصاء، متجاهلًا الفجوات العميقة في التاريخ السوسيولوجي لهذه المؤسسات، ولا سيما في ظل الهيمنة السياسية التي فرضت قيودًا على الكتابة الأكاديمية الجادة خلال عقود مضت.
وتقودنا هذه الملاحظة إلى ضرورة إعادة مساءلة التحولات بوصفها وقائع اجتماعية مركّبة، لا مجرد أحداث إدارية. نحن أمام سنوات مفصلية من عمر الجامعة الليبية تحتاج إلى تأصيل فكري واسترداد معرفي من قبل باحثي التاريخ وعلم الاجتماع، لاسيما مرحلة ما بعد عام 1976. فقد شهدت تلك الحقبة صعود القيادة الطلابية، ثم تزايد تأثير السلطة على مفاصل الإدارة الجامعية، بعد مخاضات عسيرة رافقت اتحاد الطلبة. وقد بلغ الأمر، في بعض الحالات، مستوى تولي فيه الطلبة زمام الإدارة، كما حدث في جامعة طرابلس الفاتح سابقًا.
ومن هنا، يمكن فهم هذا الانقطاع في الذاكرة المؤسسية بوصفه أحد الأسباب الجوهرية لتراجع الجودة الأكاديمية اليوم. فغياب التوثيق الرصين والقراءة النقدية لتلك المرحلة يعطل قدرة الجامعة على فهم جذور تحوّلاتها الداخلية، ويترك المجال لتفسيرات سطحية أو متناقضة. لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى فتح وثائق تلك الفترة بكل جروحها وتناقضاتها- لا بدافع التشهير- بل بهدف استعادة الذاكرة الضائعة وفهم الكيفية التي أثرت بها السياسة في جودة المعرفة وفي مستقبل النخبة الجامعية.
وفي هذا السياق تحديدًا، تستوقفنا شهادات الدكتور عمر التومي الشيباني حول مرحلة الانتقال من الإدارة الأكاديمية التقليدية إلى ما عُرف آنذاك بالثورة الثقافية. يروي الدكتور كيف طلب - بحسب ما ورد في شهادته- تحييد الجامعات عن تلك العقلية الإدارية المسيسة، ليأتي الرد عبر اتصال هاتفي حاد وصوتٍ مرتفع لخص ملامح المرحلة بوضوح: لا رجوع عن الثورة. كما يصف الدكتور عمر الشيباني أول اجتماع لمجلس الجامعة بعد ذلك الانقلاب الإداري، حيث تبدلت ملامح المجلس ليعجّ بالسائقين والمستخدمين (المباشرين)، في دلالة صارخة على كسر هيبة التراتبية العلمية. في الواقع، لقد أثرى الدكتور عمر التومي الشيباني الذاكرة التاريخية أو البحث التاريخي بتوثيق هذه الوقائع التي أزاحت بوصلة الجامعات عن معيار الجدارة العلمية نحو مقياس الولاء السياسي.
ومنذ ذلك الحين، خضعت جامعتا الفاتح وقاريونس لإدارة مباشرة تستند إلى منطق رأس السلطة. ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى رصد الغايات الكامنة وراء حضوره الدوري والمكثف داخل الحرم الجامعي، وكيف سعى إلى تحويل الجامعات من محاضنٍ للعلم إلى منصات فكرية تُشرعن الهيمنة، وتُعيد إنتاج أدوات السيطرة تحت شعارات التحرر وحماية الثورة من الخونة.
لقد اتخذت هذه الهيمنة طابعًا مؤسسيًا واضحًا؛ إذ تحولت الجامعات الليبية إلى ساحات تُدار بآليات اللجان الشعبية الطلابية والمثابات الثورية التي تغلغلت في كافة الكليات. وسرعان ما حلّت لغة الثورة في كل مكان على حساب التقاليد الأكاديمية، فاستُبدلت الندوات العلمية بملتقيات عقائدية دورية، وأضحت الآراء المخالفة تُعامل بوصفها ذنبًا يستوجب العقاب، وقد يصل الأمر- بحسب ما تشير إليه الشهادات - إلى أقصى درجات القسوة. وعلى امتداد هذا المسار، ارتفعت شعارات تحريضية تدعو صراحةً إلى تصفية من وُصفوا بأنهم أعداء النظام.
ولم تتوقف آثار هذه السيطرة عند السطح التنظيمي، بل امتدت إلى صلب العملية الأكاديمية ذاتها؛ إذ أصبحت تعيينات أعضاء هيئة التدريس رهينة موافقة تلك المثابات الثورية. فمنذ نهاية السبعينيات وحتى أواخر التسعينيات، كان مكتب الاتصال باللجان الثورية هو المرجعية الفعلية للتعيين، والجهة المنوط بها تنفيذ تعليمات رأس السلطة وملاحقة المعارضين. وبناءً على ذلك، تبرز حاجة بحثية ملحّة إلى تشخيص مصير وثائق هذا المكتب ومستنداته المفقودة؛ فالكشف عن هذا المسكوت عنه وتوثيقه يُعدّ خطوة أولى نحو ترميم الذاكرة الجامعية وفهم الكيفية التي جرى من خلالها توظيف المعرفة لإنتاج الولاء.
وفي السياق نفسه، شهدت الساحة التعليمية مرحلة مثيرة للجدل تمثلت في التوسع العشوائي لما عُرف بجامعات الأقسام. فقد استُحدثت عشرات الجامعات في كل مدينة وقرية، ولم يكن هذا الانتشار- بحسب القراءة السوسيولوجية- استجابةً لضرورة تعليمية بقدر ما كان محاولةً سياسية ممنهجة تستهدف تفتيت الجامعات الكبرى، ولا سيما طرابلس وبنغازي، بما يفضي إلى إضعاف قدرة مراكز الثقل الطلابية على التأثير أو المقاومة.
ويُضاف إلى ذلك دور رمزي أو أيديولوجي مثل المدرج الأخضر في جامعة طرابلس، الذي برز كأداة لتوجيه المجال العام الجامعي، ومنبر لتنظير النظام السياسي بإشراف أساتذة جامعيين. ومن هنا تتولد تساؤلات بحثية حادة حول الثقوب السوداء في تلك الحقبة، وهنا يبرز التساؤل الملحّ: أين توارت وثائق ذلك المدرّج؟ وما هو المصير الذي آلت إليه رسائل الماجستير التي نوقشت تحت وطأة تلك الأيديولوجيا، وأُجيزت بإشراف أكاديمي في تلك الحقبة؟
إن الغاية من استحضار هذه التحولات ليست محاكمة تفتيشية للعقول، بل هي محاولة جادة لمعالجة الذاكرة الوطنية. فإصلاح المسار الجامعي يتطلب الكشف عن الوقائع كما حدثت، لا حجبها أو القفز عليها؛ إذ إن مواجهة الماضي هي السبيل الوحيد لبناء مستقبل أكاديمي مستقل.
إننا بحاجة ماسة إلى كشف تلك الوقائع حتى نرى حقيقتنا كما هي، وبقدر ما يراها الآخرون، لا كما نهوى تصويرها لأنفسنا. فالتخلص من الثقوب السوداء التي تلتهم ذاكرتنا الجمعية يقتضي الكتابة عن تلك المراحل بموضوعية وشفافية مطلقة، بوصف ذلك خطوة أولى نحو معالجة الذاكرة الوطنية الجريحة. فمن الضروري في هذا الإطار الكشف عن ممارسات باتت – للأسف - جزءًا أصيلاً من ثقافة الأستاذ الجامعي، وهي ممارسات أجزم بأنها نتاج مباشر لتلك الذاكرة المشوهة. فهناك مشهد متكرر في عدد كبير من الجامعات الليبية يتمثل في أن بعض الأساتذة يفتتحون محاضراتهم الأولى بإعلان صريح بأن عدد الناجحين لن يتجاوز العشرة من مائة. ولا شك أن هذا الأسلوب التهديدي لم يكن حاضرًا قبل عام 1976؛ غير أنه استقر في الممارسة التدريسية حتى صار جزءًا من منظومة التدريس بدل أن يبقى سلوكًا عابرًا.
وقد بلغ تأثير هذا المنطق مستوى بالغ القسوة، حتى إن أحد الوزراء السابقين للتعليم- هدد أعضاء هيئة التدريس في جامعة طرابلس باستخدام الأسلوب ذاته الذي ارتبط بخطابات نظام القذافي، حين صرخ بعبارة تفيد بأن الجامعة بحاجة إلى مشانق. وهذه الأفعال ليست مجرد صدفة أو نزوات شخصية، بل هي انعكاس لمقاييس تفكير سلطوية ورثتها المنظومة، بما يجعل مواجهتها اليوم بحاجة إلى جراحة فكرية عميقة لاستئصال جذورها. وفي هذا السياق، أستحضرُ تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الحكومية لعام 2013، الصادر عن المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية؛ ذلك التقرير الذي شرفتُ بإدارة فرق التدقيق الخاصة به ورئاسة صياغته، بمشاركة نخبة تجاوزت مئة وعشرين أستاذاً جامعياً، شملت جولاتهم ثلاث عشرة جامعة حكومية آنذاك. وقد برزت من خلال تلك الزيارات ملاحظة جوهرية، كشفت عن نمط تفكير وعقلية القيادات الجامعية في ذلك الوقت. لقد كشف التقرير أن رؤساء الجامعات ورثوا، بوعي أو دون وعي، عقلية دكتاتورية في الإدارة، وهو خلل بنيوي لم ينتبه له مسؤولو التعليم سابقًا ولا لاحقًا. وتتمثل أزمة الجامعات الليبية اليوم في نمط التفكير الذي يقدّس الفكر الأوحد- فكر رئيس الجامعة- ويهيمن على القرار بحيث يُقصي التعددية ويضعف المأسسة. وحين تتجذر هذه العقلية، تصبح معالجة الإصلاح المؤسسي شبه مستحيلة ما لم تُعالَج أولًا أنماط التفكير لدى القيادات الجامعية؛ إذ إن معالجة عقول القيادات هي مقدمة لا غنى عنها لمعالجة جسد الجامعة.
أخيرًا، تستوجب الذاكرة الجمعية في الجامعات الليبية مراجعة نقدية شاملة؛ بهدف تطهيرها من تلك الثقوب السوداء التي تسببت في تراكمات قد تُفضي إلى مزيد من التفتت في الهوية والذاكرة الوطنية الجامعة. إن هذا يتطلب وضع معالجات جذرية تؤسس لبدايات جديدة في الإدارة الجامعية، تتماشى مع ضرورة مراجعة الذاكرة الوطنية والبحث عن المشتركات التي يتوجب الالتفاف حولها. ومن هذا المنطلق، نؤكد على أهمية اتجاه الباحثين في علم الاجتماع نحو معالجة هذه القضايا؛ لما تحمله من دلالات عميقة في صون الهوية وتكوين ذاكرة مؤسسية أكثر اتزانًا.وفي السياق ذاته ندعو الباحثين في التاريخ إلى رصد الوقائع بموضوعية وحيادية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من تاريخ ليبيا، بعيداً عن تكرار ما أُشبع بحثاً أو الاقتصار على مقاربات جزئية. إن تحقيق ذلك يستلزم التحرر من سياسات الإقصاء والتهميش التي طالت مسارات كتابة التاريخ في العقود الماضية؛ فالتاريخ - بوصفه معرفة نقدية- ينبغي أيضًا أن يُكتب كما هو، بعيداً عن الإملاءات السياسية أو الاعتبارات الأيديولوجية؛ لتظل عملية التوثيق أداةً لفهم الماضي، وركيزةً لبناء مستقبل أكاديمي مستقل قائم على الشفافية والعدالة المعرفية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن