|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 5 / 1
يرى فيسلوفنا الراحل الدكتور مراد وهبه، أن أكثر ما يميز ابن رشد التزامه بسلطان العقل كمقياس لأي تأويل في أيٍّ من مجالات المعرفة. من هنا نفهم أسباب محنة هذا الفيلسوف العظيم، حيث نُفي وحُرقت كُتُبه. ولقد كانت مأساة ابن رشد وما تزال ضربة قاسية للعقلانية في الفكر العربي.
يعيد الدكتور وهبه أسباب العجز عن تأسيس عقلانية في واقعنا العربي، إلى أسباب تاريخية وليست خلقية. فبحسبه، ثمة عوامل موضوعية وذاتية متضافرة الأثر، تأدت إلى اصابة العقل العربي بهذا العجز. الأولى، تتمثل في الاستعمار والغزو الخارجي. والثانية، نجدها في هيمنة قوى اجتماعية متخلفة لم تخرج بعد عن حيز القَبَلِيَّةِ والعشائرية، وهي قوى قابضة على السلطة السياسية. والنتيجة، اجهاض أي عقل ناقد من دونه إلى المستحيل أقرب تحقيق نهوض وتقدم في واقعنا.
بالعودة إلى ابن رشد، يرى الدكتور وهبه أن المصير الذي انتهى إليه هو ومؤلفاته مَثََّل نهاية الفلسفة العربية بالمفهوم العقلاني. فلا يوجد في واقعنا العربي اليوم تيار عقلاني، بل أفراد أو مثقفون عقلانيون.
أما السبب الرئيس لاضطهاد ابن رشد، فيعيده المفكر الكبير مراد وهبه إلى مفهومه للتأويل، في كتابه "فصل المقال فيما بين الحِكمة والشريعة من الاتصال". يقول ابن رشد في هذا الكتاب: "للنص الديني معنيان، ظاهر وباطن. وعلى الفيلسوف أن يؤوِّل المعنى الظاهري إذا كان لا يتفق مع العقل، ويكشف عن المعنى الباطني لهذا النص في إطار سلطان العقل". ولا ريب أن البحث عن المعنى الباطن للنص الديني يتطلب إعمال العقل فيه، وبالتالي لا يحق لأي كان الزعم أو التوهم باحتكار الحقيقة المطلقة. هذا يعني باختصار، سحب البساط من تحت السلطة الدينية وحرمانها من أهم أسلحتها وأسباب هيلمانها.
ويعني إعمال العقل في النص الديني، الانتقال من دلالته الحقيقية (الحسية) إلى دلالته المجازية، وهو ما يعني الدلالة النسبية. هذه الأخيرة نقيض الاطلاقية، ومن الطبيعي أن يكون التفكير النسبي من الخطوط الحمراء عند رجال الدين.
مفهوم ابن رشد للتأويل، يختلف عمن سبقه من فلاسفة اسلاميين ومتكلمين. فالمعتزلة لديهم مفهومهم للتأويل، لكنهم اتبعوا أسلوب تكفير بعضهم بعضًا، فتفرقوا إلى ما يقرب من عشرين فِرقة كل منها يُكفِّر البقية.
التأويل الحقيقي يمتنع معه التكفير، لأنه يفضي إلى التسامح تجاه الاختلاف بالرأي والاجتهاد. أما السبب، فيعيده فيلسوفنا الراحل إلى أن العقل لديه دائمًا بدائل. العقل لا يكتفي ببديل واحد، وإذا فعل فإنه يقع في براثن الدوجماطيقية، أي توهم امتلاك الحقيقة المطلقة. وفي حال وقوعه في هذا الوهم، يمتنع عن التطور.
بناء على ما سبق، التأويل عند ابن رشد يبيح التعددية فيمتنع التكفير، ويلزم من ذلك التطور. من هنا، بمقدورنا القول إن العقل بالمنظور الرشدي لا سلطان عليه إلا العقل نفسه. وعلى هذا الأساس، يقرر الدكتور وهبه أن فلسفة ابن رشد كانت من أهم جذور التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر. فقد آمن ابن رشد بفكرة "الفحص الحر للنص الديني" دون اعتبار للسلطة الدينية، وذلك على أرضية الانفتاح على الثقافات المختلفة، وبشكل خاص اليونانية والرومانية. أخضع ابن رشد النص الديني للعقل، وقوبل هذا النوع من الفكر التجديدي بمعايير زمانه بالاستنكار والشجب. فقد رفض الغزالي رفضًا باتًّا إعمال العقل في النص الديني، وأكد الالتزام بمعناه الحرفي. والنتيجة المترتبة على ذلك باجتهاد الدكتور وهبه، تدمير الفلسفة في المشرق العربي.
مستصفى القول، اجتهد ابن رشد فقال إن من حق العقل تأويل النص الديني، أي فهمه دون الرجوع إلى سلطة دينية، ذلك أن للنص ظاهرًا وباطنًا. فكان جزاؤه تجريده من وظيفته ونفيه وحرق كتبه من قبل أبناء جلدته. أما "الآخر"، فقد ترجم مؤلفاته إلى اللاتينية والعبرية في أوروبا، في القرن الثالث عشر، بطلب ودعم امبراطور ألمانيا فردريك الثاني. في البداية حدث جدل صاخب في هذا الشأن، حيث حَرَّمَت الكنيسة الكاثوليكية الكثير من آراء ابن رشد الفلسفية. لكن في المقابل، تَشَكَّلَ في أوروبا تيار رشدي، كان له دوره الفاعل في مواجهة سلطة الكنيسة والاقطاع وبث روح جديدة في مسار التنوير التاريخي الرافد الرئيس لنهضة أوروبا وتقدمها الحضاري. (يتبع).
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |