فاتح ماي بين ذاكرة النضال وتحولات العمل: من شيكاغو إلى زمن المنصات

سعد بن علال
2026 / 5 / 1

ليس فاتح ماي مجرد ذكرى عابرة في تقويم الزمن، بل هو لحظة تاريخية مكثفة، تتقاطع فيها الذاكرة مع الحاضر، ويتواجه فيها الماضي مع أسئلة لم تحسم بعد. منذ أن انبثق هذا اليوم من رحم أحداث هايماركت في شيكاغو، لم يكن مجرد احتجاج ظرفي، بل إعلانًا عن ميلاد وعي جديد: وعي العمل بذاته كقوة قادرة على مقاومة شروط استغلاله.
في نهاية القرن التاسع عشر، كان الصراع واضح المعالم. المصنع كفضاء مادي، كثيف، يجمع العمال ويوحد إيقاعهم اليومي، ويجعل من تجربتهم المشتركة أرضية لبناء وعي جماعي. كان مطلب الثماني ساعات—الذي بدا حينها بسيطا—في جوهره تحديا جذريا لمنطق الرأسمالية الناشئة: من يمتلك الزمن؟ من يقرر إيقاع الحياة؟
لكن الزمن الذي صاغ تلك الأسئلة لم يعد هو زمننا.
لقد انتقلت الرأسمالية من شكلها الصناعي الكلاسيكي إلى بنية أكثر تعقيدا وسيولة، حيث لم يعد الإنتاج محصورا داخل جدران المصنع، بل توزع عبر شبكات عالمية، وسلاسل إنتاج عابرة للحدود، ومنصات رقمية تعيد تعريف العمل نفسه. لم يختف العامل، لكنه لم يعد مرئيا كما كان. أصبح سائق تطبيق، أو عامل توصيل، أو منتج محتوى، أو موظفا مؤقتا يعيش على هامش الاستقرار.
هنا، لم يتلاش الاستغلال، بل تغير شكله: أصبح أكثر تشتتا، أقل وضوحا، وأكثر قدرة على التكيف.
في هذا التحول، تبدو المفارقة صارخة: الرأسمالية وحدت العالم اقتصاديا—من الولايات المتحدة إلى المغرب—لكنها في الآن ذاته فرقت العمال اجتماعيا، وأضعفت أشكال تنظيمهم التقليدية. لم يعد العامل يرى نفسه دائما كجزء من طبقة متماسكة، بل كفرد معزول داخل شبكة تنافسية لا ترحم.
فهل فقد فاتح ماي معناه في هذا السياق؟
الجواب لا يمكن أن يكون حاسما بنعم أو لا. فمن جهة، تحولت كثير من طقوسه إلى أشكال روتينية: مسيرات متكررة، شعارات جاهزة، وخطابات لا تلامس عمق التحولات الجارية. ومن جهة أخرى، فإن القضايا التي فجرته—الكرامة، العدالة، التحكم في الزمن—لم تختف، بل عادت في صور أكثر تعقيدا.
العامل اليوم لا يطالب فقط بتقليص ساعات العمل، بل بالاعتراف به كعامل أصلا: كيف ننظم عمال المنصات؟ كيف نعيد تعريف الأجر في اقتصاد رقمي؟ كيف نواجه هشاشة العمل غير المستقر؟
إن هذه الأسئلة تكشف أن المشكلة لم تعد في غياب النضال، بل في تأخر أدواته عن مواكبة الواقع.
حين قررت الأممية الثانية في نهاية القرن التاسع عشر تحويل فاتح ماي إلى يوم أممي، لم تكن تسعى إلى خلق طقس سنوي، بل إلى بناء أداة لتنظيم الوعي وربط النضالات المحلية بأفق عالمي. كانت الفكرة أن يتحول هذا اليوم إلى لحظة توحيد، إلى زمن مشترك يعيد فيه العمال التفكير في موقعهم داخل النظام.
اليوم، تبدو الحاجة إلى تلك الروح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، لكن استعادتها لا يمكن أن تتم عبر تكرار الأشكال القديمة. إن التمسك الحرفي بالماضي قد يحول فاتح ماي إلى مجرد ذكرى، بينما القطيعة التامة معه تعني فقدان بوصلة تاريخية ثمينة.
المطلوب إذن ليس الاختيار بين الذاكرة والتجديد، بل الجمع بينهما في أفق نقدي.
فاتح ماي لا يعيش في الشعارات، بل في قدرته على التكيف مع شروط كل مرحلة. وإذا كان الماضي قد علمنا أن الحقوق تنتزع عبر المواجهة الجماعية، فإن الحاضر يفرض علينا إعادة تعريف هذه الجماعية نفسها: كيف نبني تضامنا في عالم مفكك؟ كيف نخلق وعيا طبقيا في زمن الفردنة؟ كيف نحول التشتت إلى قوة؟
ربما لم يعد العامل هو نفسه، وربما لم تعد أدوات النضال كما كانت، لكن جوهر المسألة لم يتغير. ما زال هناك صراع حول من يملك الزمن، ومن يحدد شروط العيش، ومن يستفيد من الثروة المنتجة جماعيا.
من هنا، لا يعود السؤال: هل ما زال لفاتح ماي معنى؟ بل يصبح: كيف نجعله يتكلم لغة عصرنا دون أن يفقد ذاكرته؟
إنه ليس يوما للاحتفال، بل لحظة لإعادة التفكير. ليس ماضيًا نكرره، بل أفقًا نعيد بناؤه.
وفي هذا التوتر بين ما كان وما يمكن أن يكون، يستمر فاتح ماي—لا كذكرى، بل كإمكانية مفتوحة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن