عندما يخذل القادة أحلام شعبهم

عبدالجبار شاهين
2026 / 4 / 30

في اللحظة التي يصمت فيها هدير المدافع، لا يصمت معها صوت الضمير. ثمة سؤال ثقيل يخيّم على ليالي الكرد الطوال في روجآڤا/ شمال سوريا: كيف انهار كل ذلك البناء الذي تشيّد بدماء الآلاف من شباب وشابات الكرد، في غضون ساعات؟
الوجوه التي اعتلت منصات المؤتمرات، وتلقت التحايا في العواصم الغربية، تقف اليوم أمام مرآة التاريخ بملامح شاحبة. مظلوم عبدي وإلهام أحمد، اسمان حملا يوماً وعوداً كبرى، صارا اليوم عنواناً لانكسار مؤلم. ليس انكسار السلاح وحده، بل انكسار الإرادة. ليست الهزيمة العسكرية وحدها هي المأساة، بل تلك المسافة الشاسعة بين تضحيات البسطاء، وبين حسابات القيادة التي أدارت ظهورها لرياح التغيير وهي تزحف من الشمال، حين العنتريات العسكرية تفتقر إلى الرؤية السياسة بعيدة المدى بكل تأكيد نتائجها الكارثية حتمية.
كم هو موجع أن يكتشف المرء أن القرار لم يكن يوماً في يد من "قادوا" روجآڤا وساروا في الشوارع المحررة، بل كانت في أوتار خفية تشدها أيادٍ من خلف القضبان في جزيرة إمرالي، تشير إلى الشرق فيتجه الجميع شرقاً، وتهمس بالغرب فيميلون غرباً فيطلب منهم حمل المظلات الواقية من المطر فكلهم يحملون المظلات ولو كانت السماء صافية ولا امطار في الجو. لم تكن تلك التوجيهات سوى حبلٍ حريري يُلف حول عنق روجآڤا والمشروع برمته، بهدوء، بأناقة، حتى ضاقت الأنفاس. كل خطوة نحو الهاوية كانت تُبرر بنظرية لامعة، وكل تنازل استراتيجي كان يُغلّف بمصطلحات برّاقة عن "الأمة الديمقراطية" و"الاندماج الديمقراطي" "الكونفيدرالية الشرق أوسطية" فيما الجار الذي يتربص يكمل طوقه بهدوء.
الصفعة الكبرى تأتي من حيث لا يحتسبون: من توجيهات تقول لهم متى يتقدمون ومتى يتوارون، فيما عيون أنقرة تراقب المشهد بابتسامة رجل يثق أن ضيفه سيسكب الشاي في فنجانه بيده. وهكذا، تحولت عقيدة التحرر إلى أداة للاستسلام، وتحول الحلم الكردي إلى ورقة تفاوض سرعان ما أُلقيت بعد الاستخدام. ليس هناك منظر أكثر إيلامًا من قائدٍ يطلب الشجاعة من جنوده، فيما هو يرهن مستقبلهم لجهة لا تملك سوى مصلحتها الخاصة.
ما الذي تبقى حين تنهار القوة في يومين، وتذبل أوراق الدبلوماسية على طاولات الغرب؟ تبقى الصورة الأخيرة: قادة يقرعون أبواب العواصم الأوروبية فلا تفتح لهم، بعد أن كانوا يُستقبلون فيها قبل أعوام. لم تخذلهم أوروبا وأمريكا، بل خذلهم رهانهم على أن تحترمك القوى العظمى وأنت فارغ اليدين من القوة الحقيقية على الأرض. الدول لا تحترم إلا من يمتلك مقومات البقاء، لا من يمتلك تنظيراً لامعاً عن الديمقراطية والحرية فيما موارده تُنهب وطاقاته تُسرق وحدوده تُخترق.
المرارة الحقيقية ليست في الهزيمة ذاتها، فالتاريخ الكردي ممتلئ بالانكسارات التي نهض بعدها. المرارة في أن الهزيمة هذه المرة لم تكن قدراً، بل كانت قراراً . لم تكن عاصفة خارجية مفاجئة، بل كانت ثمرة طاعة عمياء لإملاءات أتت من خلف القضبان . كأن التاريخ يعيد نفسه بأكثر صوره قسوة: اتفاقية الجزائر 1975 التي أسقطت ثورة برزاني بقرار من الخارج، تتكرر اليوم بسيناريو جديد، لكن أبطاله هذه المرة هم من استسلموا طواعية لقدر مكتوب بإملاءات سيدهم في زنزانته بجزيرة ايمرالي.
إن أثقل أنواع المسؤولية هي مسؤولية من يمسك حلَم شعب بأكمله ثم يسلّمه لقدر محتوم لأنه لم يجرؤ على قول "لا". لا لقيادة من وراء القضبان. لا لسلطة خفية تريد للأكراد أن يظلوا أداة يُستخدمون عند الحاجة ويُرمون عند الاستغناء. وأي خذلان أقسى من أن تتحول عقيدة النضال التي آمن بها البسطاء، إلى لعبة قذرة تديرها أيدٍ ماهرة في فنون الهيمنة الخفية؟
إن أرواح من سقطوا في سبيل الحلم الكردي في روجآڤا تستحق أكثر من صمت القادة أمام تعليمات لم تضع يوماً مصلحة هؤلاء الشهداء نصب عينيها. تستحق أكثر من مشاريع نظرية وهرطقات فلسفية تصلح للندوات الفكرية في المقاهي لا لميزان القوى العسكرية الجافة. وتستحق أكثر من قادة خانهم الوفاء لتاريخهم، فساروا بخطى واثقة نحو الحافة كما يرسم لهم الطريق نحو الهاوية بعناية فائقة خلف الجدران ، ليبقىوا مقتنعين بأن القفز إلى الهاوية هو قدر لا مفر منه .
قد يكتب التاريخ يوماً أن الحلم الكردي في سوريا لم يسقط لأن أعداءه كانوا أقوياء، بل لأن من قادوه آثروا طاعة الصوت القادم من بعيد على إنصاتهم لنبض شعبهم المتطلع إلى الحرية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن