|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عبدالحكيم سليمان وادي
2026 / 4 / 30
الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية
مقدمة
لطالما اتسم القانون الدولي بثنائية الجاذبية بين التمسك بثوابت تحقق الاستقرار والتنبؤ، ومواكبة متغيرات المجتمع الدولي الذي لا يعترف بالجمود. فمنذ ظهور الإسلام، ومن بعدة نشأة معاهدة وستفاليا (1648) وحتى اليوم، شهدت وظائف القانون الدولي تحولات جذرية من قانون للتعايش بين الدول ذات السيادة إلى قانون للتعاون، ثم إلى قانون متجه نحو التكامل والتضامن، بل وحماية القيم المشتركة للإنسانية. هذا الانتقال لم يلغِ الثوابت الأساسية، بل أعاد صياغتها في سياقات جديدة تفرضها العولمة والاعتماد المتبادل وتحديات الأمن الجماعي وحقوق الإنسان والبيئة.
إشكالية المقال
انطلاقاً مما سبق، يمكن صياغة الإشكالية المحورية التالية:
إلى أي مدى يمكن القول إن تحولات وظائف القانون الدولي المعاصرة أفضت إلى تجاوز ثوابته الجوهرية (كدولة وسيادة ومصادقة)؛ أم أن هذه الثوابت لا تزال تشكل الإطار المرجعي الذي يعيد إنتاج نفسه ضمن متغيرات ظرفية؛ وكيف يمكن التوفيق بين ضرورة الاستقرار القانوني وضرورة التكيف مع المخاطر العابرة للحدود.
الإجابة: الثابت والمتغير في ضوء تحول الوظائف
أولاً: ثوابت القانون الدولي التي لم تتبدل
1. سيادة الدولة كوحدة أساسية ثابتة:
رغم بروز فاعلين غير دوليين (منظمات حكومية وغير حكومية، شركات متعددة الجنسيات، أفراد)، تظل الدولة وسيادتها هي الثابت المخول الأساسي بصنع القانون الدولي (الذي ينبع من إراداتها السيادية عبر المعاهدات والعرف) وهي الطرف الرئيسي في تحمل المسؤولية الدولية.
2. مبدأ السيادة والمساواة القانونية:
لا تزال المادة 2/1 من ميثاق الأمم المتحدة تؤكد على المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. حتى في مجالات حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، تخضع أي تدخلات (كعقوبات اقتصادية أو تدخل إنساني) إما لتفويض من مجلس الأمن، أو موافقة الدولة المعنية، وهو ما يثبت بقاء السيادة كحصن أخير.
3. أساس الرضا (الموافقة) كمصدر للإلزام:
لا يكفل القانون الدولي على دولة دون رضاها الصريح أو الضمني (باستثناء القواعد الآمرة jus cogens التي تمثل استثناء نادراً). المعاهدات، والعرف، وحتى المبادئ العامة، تنبع في النهاية من إرادة الدول.
4. مبدأ المساواة في الحقوق والتمتع بالاحترام:
يبقى مبدأ المساواة بين الدول الكبرى والصغرى في الحقوق الأساسية راسخاً، وإن كان تطبيقه العملي يظهر تفاوتاً في النفوذ، لكن القانون الدولي لا يقر هذا التفاوت نظرياً بسبب القوة العسكرية أو الاقتصادية.
ثانياً: المتغيرات الجوهرية في وظائف القانون الدولي
1. من وظيفة حفظ التوازن بين الدول إلى وظيفة حماية القيم المشتركة:
القانون الدولي التقليدي كان محايداً تجاه النظام الداخلي للدول. أما اليوم فنجد التالي:
-القانون الدولي لحقوق الإنسان يفرض معايير مباشرة على الدول تجاه أفرادها باعتبارها قيم مشتركة متغيرة.
- قانون الجرائم الدولية (اتفاقية روما 1998) يقرّ المسؤولية الجنائية الفردية حتى وإن كان الفاعل رئيس دولة (شخصية القوانين).
-قواعد الحماية الدولية للبيئة (اتفاقية باريس 2015) تفرض التزامات لا تقبل التحفظ بسهولة.
2. من ثنائية القانون الداخلي والدولي إلى التداخل الوظيفي:
لم يعد الفصل بين النظامين صارماً. فالقوانين الداخلية تُفسَّر في ضوء الالتزامات الدولية (كقضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان)، والقواعد الدولية تُنفَّذ عبر آليات داخلية (كقوانين مكافحة الإرهاب وتمويله). بل نشأت قوانين مثل "قانون دولي للرقابة الإدارية" في مجالات الصحة والأمن الغذائي.
3. من الإجراءات الدبلوماسية البطيئة إلى آليات صنع القرار السريع:
ظهرت كيانات تقوم بوظائف تشريعية وقضائية وتنفيذية هجينة، مثل مجلس الأمن (قراراته ملزمة بموجب الفصل السابع)، والمحكمة الجنائية الدولية (اختصاص تلقائي في بعض الحالات)، ومنظمة التجارة العالمية (آلية فض النزاعات بشبه إلزامية)، مما خلق دون تكريس حكومة عالمية نزوعاً نحو "دسترة" بعض فروع القانون الدولي.
4. بروز الأفراد كأصحاب حقوق وواجبات مباشرة:
المسؤولية الجنائية الفردية (محاكم نورمبرغ، يوغوسلافيا، رواندا)، وحق تقديم الشكاوى الفردية (البروتوكول الاختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، وحق اللجوء وحماية اللاجئين، كلها وظائف جديدة ليست وسيطة عبر الدولة.
من جهة أخرى،هناك نماذج تحليلية تطبيقية نذكر منها التالي:
النموذج الأول: التدخل الإنساني وحماية المدنيين
في ليبيا (2011) استند مجلس الأمن لقرار 1973 تحت الباب السابع لحماية المدنيين، وهو تحول في وظيفة القانون الدولي من الحظر المطلق لاستخدام القوة (الذي يبقى ثابتاً في المادة 2/4) إلى إباحة الاستثناءات لحماية قيم عليا. لكن التطبيق أظهر تشدداً لاحقاً (سوريا مثلاً حيث عُطل المجلس قرار التدخل)، مما يؤكد أن الثابت (السيادة + إجماع كبار الأعضاء الدول الخمس لهم حق النقض الفيتو) قادرين على كبح المتغير عندما يشاءون.
النموذج الثاني: القواعد الآمرة (Jus Cogens)
حظر الإبادة الجماعية، والتعذيب، والرق، والعدوان، تطور من قواعد عرفية إلى قواعد قطعية لا يجوز مخالفتها ولا التحفظ عليها. هذا يمثل متغيراً كبيراً من المتغيرات لحماية القيم المشتركة (لأنه يحد من السيادة النظرية)، لكنه ثابت أيضاً لأنه لم يضف إليها قواعد جديدة بسهولة (كحظر الفقر المدقع أو تغير المناخ لم يرقَ إلى هذه المرتبة).
من هنا نشير الى عدة اقتراحات لتطوير الوظائف في ضوء الثابت والمتغير كما يلي:
1. إقرار مبدأ "المرونة المحكومة":
إنشاء آليات مشروطة تسمح بتجاوز بعض الثوابت (كالموافقة المسبقة) في حالات الكوارث العابرة للحدود، مع رقابة قضائية دولية مسبقة ولاحقة لضمان عدم الانزلاق نحو الاستبداد الدولي.
2. تفعيل دور المحاكم الإقليمية كجسور:
المحاكم الأوروبية، والأفريقية، والأمريكية لحقوق الإنسان يمكنها تطوير وظائف القانون الدولي من دون القفز فوق السيادة، عبر الولاية القضائية الاختيارية والتفسير التدريجي.
3. اعتماد مدونة سلوك دولية للفاعلين غير الدوليين:
الشركات المتعددة والمنظمات غير الحكومية تكتسب نفوذاً واقعياً، لذا يُقترح تطوير صكوك غير ملزمة قانونياً لكنها أخلاقياً وإدارياً (كالمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان) لسد الفجوة بين الثابت والواقع المتغير.
4. إعادة النظر في حق النقض (الفيتو):
ليس بإلغائه مباشرة (فهو من الثوابت الصعبة)، بل بتقييده في حالات الجرائم الجماعية، عبر اقتراح "تعليق تلقائي" للحق عندما يثبت تقرير أممي أولي وجود جرائم ضد الإنسانية.
في الختام، القانون الدولي المعاصر ليس أمام معادلة صفرية بين ثابت ومتغير، بل هو في حالة ترحال دائم بين قطبي الثبات والتحول. الثوابت الحقيقية هي الدولة، السيادة، أساس الرضا، المساواة النظرية لم تختفِ، لكنها أعيدت قراءتها في سياقات جديدة؛ السيادة لم تعد مطلقة بل وظيفية مرتبطة بحماية الإنسان والأمن الجماعي؛ والموافقة لم تعد شرطاً ضرورياً في كل الحالات بظهور قواعد آمرة فوق إرادة الدول؛ والمساواة أصبحت موزونة بالاعتماد المتبادل الذي يكرس قيادة فعلية للدول الكبرى في آليات التنفيذ.
العبرة ليست في تعداد (الثوابت والمتغيرات) جرداً، بل في فهم كيف يعيد القانون الدولي إنتاج نفسه؛ كل متغير ينجح اليوم قد يصبح ثابتاً غداً بعد تراكم الممارسة (كإنشاء المحكمة الجنائية الدولية 1998, وتنفيذ مبدأ عدم الإفلات من العقاب). وبالمقابل، كل ثابت يظل صامداً لكن بغطاء قانوني جديد (كالسيادة التي أصبحت تُمارس عبر الالتزام بالمعاهدات لا التعارض معها).
اخيراً،يبقى السؤال الاستشرافي؛ هل سيكون المجتمع الدولي قادراً على إدارة هذا التوتر بين (الثابت والمتغير)،دون الانزلاق إما إلى فوضى ناعمة مثل (تجاهل القواعد)، أو جمود متصلب مثل حالات (شلل أمام المخاطر المعاصرة)؛ يبقى الجواب مرهون بقدرة الفاعلين الدوليين على إبداع توافق حول "حد أدنى من القيم المشتركة" تجعل من القانون الدولي حقاً قانوناً وليس مجرد أداة للسياسة بيد الدول الكبرى.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |