|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 4 / 30
تُعدّ الذاكرة الجمعية الحبلَ السري الذي يربط الشعوب بهويتها عبر الزمن. ومع ذلك تعيش المنطقة العربية اليوم- وخاصةً في مرحلة ما بعد 2011- حالةً استثنائية من تآكل الذاكرة الوطنية أُسمّيه الزهايمر الجيوسياسي حيث امتدت الحروب لتجريف السرديات واقتلاع الوعي التاريخي من جذوره. لقد خلقت محددات النزاع الراهن، وعلى رأسها التهجير القسري والنزوح، انقطاعًا في التسلسل الذي يربط الذاكرة الوطنية بين الأجيال. ومن خلال احتكاكي المباشر بطلبة الجامعات، صُدمتُ بواقع مرير: فعندما تُسأل الأجيال الجديدة عن محطات مفصلية في تاريخ ليبيا - مثل تاريخ إجلاء القواعد الأجنبية من ليبيا عام 1970- تأتي إجابات فاترة، وكأن هذه الوقائع قد مُسحت من الوعي؛ وكأن هناك أيادٍ خفية تمارس هندسة النسيان.
ومن هنا، يتأتّى دورنا كباحثين في علم الاجتماع اليوم بالسعي نحو تحويل البحث العلمي إلى ترياق ضد هذا النسيان الممنهج. وهذا يعني أن حماية الهوية تبدأ من ردم الثقوب، وإعادة بناء سردية وطنية قادرة على الصمود أمام رياح التجزئة، بما يضمن ألا يظل تاريخنا مُهجَّرًا قسرًا- كما هي مدننا. وفي مرحلة ما بعد 2011 برز سؤالٌ نمطيّ بات يتردد بشكل دوري في كل نقطة تفتيش أو استيقاف، بل وفي كل حوار اجتماعي وهو: من أين منطقة أو قبيلة أنت؟
هذا السؤال يحمل مضامين الشيفرة القبلية أو المنطق الاجتماعي الذي يحدد مسار التعامل مع الفرد. فلقد أدى تآكل مؤسسات الدولة وسقوط مظلة الحماية القانونية إلى ارتداد الأفراد نحو الهويات الفرعية، وهنا تحولت القبيلة إلى مؤسسة حماية وإيواء توفر للفرد ما عجزت الدولة عن توفيره.
وما زاد من حدة هذا التشرذم هو تبنّي الحكومات المتعاقبة لسياسات عززت تأصيل هذه الهويات؛ حيث أصبح اختيار المسؤولين وتوزيع الوظائف والفرص لا يقوم على معيار الكفاءة أو المواطنة، بل على المحاصصة والقبلية. وقد حوّل هذا النهج الرسمي القبيلة من مكوّن اجتماعي إلى أداة سياسية للحصول على الحقوق والمكتسبات.
ولم يتوقف الأمر عند الواقع المادي، بل امتد إلى الفضاء الرقمي؛ إذ ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في خلق فقاعات انعزالية عززت خطاب النحن القبلي في مواجهة الآخر الوطني. وهكذا تحولت هذه المنصات من أدوات للتواصل إلى منابر لتضخيم النزعات المناطقية والقبلية، مما عمّق الثقوب السوداء في الهوية الوطنية الجامعة، وجعل الانتقال نحو دولة المواطنة ممرًّا يزداد ضيقًا يوماً بعد يوم.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن الحروب الأهلية التي اندلعت خلال سنوات 2014 و2019 كانت معاولَ هدم وسّعت من مساحة الثقوب السوداء في جدار الهوية الوطنية. وقد أدّت هذه النزاعات إلى تحويل المكوّنات القبلية والمناطقية إلى كيانات سيادية موازية؛ حيث باتت كل قبيلة أو منطقة تتصرف كدولة داخل الدولة تسعى إلى محاصصة خاصة بها، وتفرض سلطتها على جغرافيتها المحلية.
وقد تعمّق هذا الشعور بالانفصال نتيجة ضعف الحكومات المركزية، التي انخرطت في سياسات استرضاء للمناطق والقبائل بدلًا من فرض هيبة الدولة. ولعلّ الذاكرة القريبة تستحضر قرارات اتُخذت في عهد حكومة الوفاق الوطني 2016- 2021م ، مثل اعتماد عشرات المطارات والمرافق الحيوية بناءً على ضغوط مناطقية وقبلية؛ إذ رسّخت ذلك في أذهان الناس مفهوم الاستقلال الخدمي لكل قبيلة.
وانعكس هذا التشظّي المادي بحدة على الفضاء الرمزي للبلاد؛ حيث تشتتت الراية الوطنية الجامعة لصالح غابة من الأعلام والرموز المتصارعة. فبين مناطق ما تزال ترفع علم النظام السابق، وأخرى ترفع علم الاستقلال، ومناطق ترفع علم الأمازيغ أو علم إمارة برقة، نجد أنفسنا أمام مأزق هوياتي خطير. إن هذا التعدد في الأعلام هو إعلان صريح عن انكسار العقد الاجتماعي وتشتت الذاكرة الوطنية؛ بما يضع الهوية الليبية الجامعة في غرفة الإنعاش، ويجعل الرمز الوطني مجرد وجهة نظر تتقاذفها الأيديولوجيات والمناطق والقبائل.
إن قراءة المشهد الليبي الراهن تدفعنا إلى الشك في وجود تجريف ممنهج للهوية الوطنية؛ وليس من قبيل الصدفة العابرة أن تشرع وزارة التعليم في حذف كتاب التربية الوطنية من المقررات الدراسية- وهو المنهج الذي كان يُفترض أن يكون الجامع لوعي الأجيال. إن تغييب هذا المحتوى يترك الباب مشرعًا أمام اتساع الثقوب السوداء في عقول التلاميذ والطلبة، مما يفسح المجال للهويات الفرعية لملء هذا الفراغ واحتلال الصدارة في تشكيل وجدان الأجيال القادمة
ومع ذلك، وسط هذا القتامة، أثبت الواقع أن الذاكرة الوطنية الكامنة أقوى من أدوات التجريف. ففي خضم كارثة درنة في سبتمبر 2023، شهدنا لحظة تاريخية فارقة حيث تلاشت تلك الثقوب السوداء فجأة، واتسعت الطرق ليمر منها الليبيون بقلب واحد نحو هويتهم الجامعة. لقد توارى منطق المنطقة والقبيلة خلف صرخة الوطن الواحدة.
وقد تجسد هذا الانبعاث الوطني في حراكات شعبية عابرة للمناطق والقبائل، لعل من أبرزها مجموعة فزعة خوت التي تشرفتُ بعضويتها على الواتساب؛ حيث انصهر فيها المئات من أبناء الشرق والغرب والجنوب في بوتقة واحدة. في تلك اللحظة، لم تعد القبيلة هي الملاذ، بل أصبح الوطن هو المظلة الجامعة. إن هذه الفزعة أثبتت أن ما يجمع الليبيين من وشائج وتاريخ ومصير مشترك هو أعمق بكثير مما تحاول السياسة تفرقه.
إن واجبنا اليوم هو تحويل تلك العواطف إلى مشروع وطني مستدام، عبر إعادة بناء الذاكرة الوطنية الجامعة ومعالجة ثغراتها، لنؤكد أن الهوية الليبية ليست مجرد علم أو نشيد، بل هي إرادة شعب ينهض من تحت الركام ليثبت أن وحدته الوطنية هي الركيزة الأسمى.إن الخروج من مأزق الهوية المفتتة يستلزم حزمة من المعالجات السيادية التي تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. وتبدأ هذه المعالجات من:
1. تفعيل دور الجامعات والمراكز البحثية في دراسة قضايا الهوية الوطنية الجامعة وتحويلها من ترف فكري إلى أداة لصناعة القرار.
2. إعادة صياغة كتب التربية الوطنية برؤية عصرية توظف الذاكرة الجمعية لليبيين وترسخ قيم المواطنة والعيش المشترك في وجدان الناشئة.
3. إصدار تشريعات حازمة تُجرم الدعوات القبلية والمناطقية التحريضية وتمنع استخدام الهويات الفرعية كأداة لتفتيت نسيج الدولة.
4. إرساء تقليد أكاديمي لتبادل الطلبة والأساتذة بين الجامعات الليبية في مختلف المناطق شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً؛ وذلك عبر إلزام طلبة التخرج - لاسيما الذكور- بقضاء فصل دراسي في منطقة مغايرة، بما يسهم في بناء أواصر اجتماعية ومعرفية تكسر حواجز العزلة، وتحول التنوع إلى مصدر قوة. كما يشمل المقترح تفعيل إجازات التفرغ العلمي للأساتذة عبر نظام التبادل البيني خلال فترة الإجازة المحددة.
أخيًرا نؤكد أن البحث العلمي الرصين هو الشريان الذي يغذي الهوية الوطنية ويحميها من التصلب؛ فهو القادر على ردم الثقوب السوداء وتحويل الذاكرة من عبء تاريخي إلى محرك للمستقبل. إن المعركة القادمة هي معركة وعي بالدرجة الأولى، والعلوم الاجتماعية هي السلاح الأهم فيها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |