أوروبا أمام اختبار اجتماعي جديد: ميزانية للعمال أم للأرباح؟

جهاد عقل
2026 / 4 / 30

تدخل أوروبا مرحلة حاسمة مع بدء النقاش حول ميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة 2028–2034، وهي ليست مجرد أرقام توزع بين الدول، بل معركة سياسية واجتماعية تحدد: هل ستُستخدم أموال الاتحاد لحماية العمال وتعزيز العدالة الاجتماعية، أم ستُهدر مجدداً في وصفات تقشفية ومشاريع لا تنعكس على حياة الناس؟
موقف اتحاد النقابات الأوروبية جاء واضحاً: أوروبا تحتاج ميزانية اجتماعية تضع الإنسان قبل السوق، والعمل اللائق قبل الأرباح، والتماسك الاجتماعي قبل المنافسة العمياء.

*صندوق اجتماعي قوي وحقوق ملزمة
مطالبة النقابات بتمويل لا يقل عن 140 مليار يورو للصندوق الاجتماعي الأوروبي ليست ترفاً مالياً، بل ضرورة اقتصادية. فالقارة تواجه أزمات متراكمة: غلاء المعيشة، بطالة الشباب، فجوات إقليمية، وضغوط التحول الرقمي والمناخي.
كما أن ربط التمويل الأوروبي باحترام حقوق العمال والاتفاقيات الجماعية يمثل خطوة جوهرية: فلا يجوز أن تحصل الشركات على أموال عامة بينما تنتهك حقوق العاملين أو ترفض الحوار الاجتماعي.

*المتدربون أيضاً عمال… والأجر حق لا منّة
يتقاطع هذا النقاش مباشرة مع المعركة الأوروبية الجارية ضد التدريب غير المدفوع الأجر. فملايين الشباب في أوروبا يعملون كمتدربين، يؤدون مهام حقيقية داخل المؤسسات والشركات، لكن من دون أجور أو حماية اجتماعية.
هذا الواقع يحوّل التدريب من وسيلة لاكتساب الخبرة إلى شكل من أشكال الاستغلال المقنّع، حيث يُطلب من الشباب العمل مجاناً مقابل “فرصة” قد لا تؤدي إلى وظيفة.
إذا كانت أوروبا تتحدث عن العدالة الاجتماعية، فلا يمكنها قبول أن يبدأ الشباب حياتهم المهنية عبر العمل بلا أجر. لذلك فإن أي ميزانية أوروبية اجتماعية حقيقية يجب أن تشمل، دعم برامج التدريب المدفوع الأجر.،ضمان حد أدنى من الحقوق للمتدربين.منع استخدام التدريب كبديل عن الوظائف الحقيقية.تمويل انتقال الشباب من الدراسة إلى العمل اللائق والاستثمار الاجتماعي هو السد في وجه التطرف.
في ظل صعود اليمين المتطرف داخل أوروبا، يصبح البعد الاجتماعي أكثر أهمية. فالإحباط، وانعدام الأمان الاقتصادي، وغياب الفرص، كلها بيئة خصبة للشعبوية والكراهية.
حين يشعر العامل أن راتبه لا يكفي، وأن ابنه يعمل مجاناً باسم التدريب، وأن الخدمات العامة تتراجع، تصبح الثقة بالديمقراطية مهددة.
لذلك فإن ميزانية تدعم الأجور، والتشغيل، والتدريب المدفوع، والإسكان، والخدمات العامة، ليست إنفاقاً إضافياً… بل استثماراً في الاستقرار الاجتماعي والديمقراطي.

*خفض الإستثما الإجتماعي يهدد الثقة
أمام الحكومات الأوروبية خيار واضح: إما ميزانية تخدم الأسواق الكبرى والشركات العابرة للحدود، أو ميزانية تخدم العمال والشباب والمناطق المهمشة.
والحقيقة البسيطة هي: لا يمكن بناء أوروبا عادلة إذا كان العامل يكدح بأجر منخفض، والمتدرب يعمل بلا أجر، والنقابات تُهمَّش.
أوروبا التي تريد مستقبلاً قوياً، عليها أن تبدأ من قاعدة بسيطة: كل عمل يستحق أجراً، وكل مال عام يجب أن يخدم العدالة الاجتماعية.
وما صرحت به الأمينة العامة لأتحاد النقابات الأوروبية النقابية غستر لنش يؤكد صحة لموقف النقابي بقولها:"فقط من خلال الاستثمار تستطيع أوروبا أن تمنح العاملين الدعم الذي يحتاجونه. وعلى الحكومات الوطنية الآن أن تتحرك وتدعم ميزانية توفر وظائف جيدة وخدمات عامة قوية كانت دائماً عماد نجاح أوروبا.في وقت تتصاعد فيه اللامساواة وتتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي، فإن خفض الاستثمار الاجتماعي أو إضعافه سيكون خطأً فادحاً يهدد الثقة بالمشروع الأوروبي.”

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي