الشاعر والناقد الدكتور محمد خالد النبالي وترتيب القلق.

بلقيس خالد
2026 / 4 / 29

تمتلك الشاعرة والناقدة بلقيس خالد لغة تعرف كيف تحول التفاصيل اليومية إلى مشهدٍ شعري مشحون بالدلالة،
حيث يمتزج الحس الإنساني العميق بصورة شعرية قلقة وذكية دون افتعال.
نص ينجح في تحويل تفاصيل المؤونة اليومية إلى استعارة كاملة عن الخوف المؤجل والعيش داخل احتمالات الكارثة.
الجميل فيه أن القلق لا يظهر كفكرة مجردة، بل كشيء يسكن الأشياء نفسها، الطحين، الملح، الزيت، وحتى الشمع،
لذلك بدا النص وكأنه يوثق هشاشة الإنسان وهو يحاول ترتيب الطمأنينة وسط عالم لا يثق بالاستقرار.
راق لي هذا اللون المختلف، ذلك المزج الذكي بين الفكرة والصورة والاحساس.
وشخصيًا أميل إلى تسمية هذه الكتابات بـ"الأفكار الإبداعية"،
لأنها لا تكتفي بالسرد أو الشعر، بل تصنع مساحة خاصة تُجبر القارئ على التوقف والتأمل،
وتدفع الناقد إلى الاقتراب منها بأدوات أكثر حساسية وانفتاحًا. تحياتي د. بلقيس… دمتِ بهذا الثراء والتميز.

ترتيبُ القلق


جاءتني.. كفكرةٍ قلقة: (كنتي)،
وقفت قبالتي..
ترددت قليلاً، ثم همست:
قومي معي..
ساعديني على ترتيب غرفة المؤونة.
في غرفةٍ بلا نوافذ،
كجنودٍ يصطفون بانتظار الأوامر:
الأكياس.
عجوز أشيب.. يتمتمُ: أنا احتمالات جوع قادم
: كيس الطحين.
أكياس الأرز..
كل حبةٍ ترتدي خوذةً،
وتنتظرُ معركةً.. قد لا تأتي.
بينما يموجُ ..
كلما مر من جانبه الخوف،
بحرٌ سجينٌ في الصفيح: الزيت.
وعلى الجدار..
رفوفٌ مجهدة،
تحملُ على ظهورها
قرىً من العدس،
وحقولاً من الفاصولياء،
تتبادل همساتٍ خضراً
حين ينام الضوء.
وكأنما يعرفُ سراً.. عن مرارةٍ وشيكة،
يضحكُ بسخرية: السكر.
وبجانبهِ..
صناديق الشاي، يتصاعد منها بخارٌ..
برائحة هيلٍ يحاولُ استعادة رائحة العصر..
في آخر الرف..
علب الملح تئن،
وفي داخلها بحارٌ ميتة.
دمعةٌ..
تعلمت كيف تختبئُ
داخل الطعام،
كي لا نفتضح أمام أنفسنا
: الملح.
في غرفة المؤونة..
لا أحد يعرفُ أين ينتهي الجوع،
وأين تبدأُ الذاكرة.
الرغيف
: صورةٌ قديمةٌ لأمٍ
تقسمُ النهار إلى حصصٍ
متساويةٍ.. من الطمأنينة.
اسمٍ نسيناهُ..
ولا ينسى أن يؤلمنا
: الحصار.
في زاوية الغرفة..
أكياس الفحم
تتذكرُ بحزن كيف كانت..،
قبل أن تتحول إلى مشروع احتراق.
وصامتٌ، يمارسُ طقوس انتظاره،
الشمع.
وقفتُ أتأملُ هذا الجيش من الاحتياطات.
في الخارج..
الحرب في هدنة..،
وفي الغرفة..
كل شيءٍ يتدربُ على الأسوء،
حتى جهاز التبريد..
يحاول أن يجمد القلق..
كي لا يفسد.
حاولتُ أن أتمرد على الصورة..
صوت (كنتي) داهمني:
في هذا البلد، لا يوجد وقتٌ آمن،
كل يومٍ.. هو مشروع كارثة.
شعرتُ بالضيق..
خرجتُ من فكرة استقرار العالم،
تركتُ وراءي أكياساً..،
وبحاراً..،
وشموعاً تعرفُ الطريق.. ولا تسلكه.
تركتُ نسخةً مني..
ترتبُ المؤونة،
كما ترتبُ.. نهايةً مؤجلة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن