|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 4 / 29
بعد قرار وزارة التربية والتعليم حذف مادة التربية الوطنية نتيجة اكتشاف ثقوب سوداء هددت الهوية الوطنية والقيم الدينية، بات لزامًا علينا التحرك وفق رؤية علمية ومنهجية لسد هذه الفجوات. وإن معالجة هذا الخلل لا تكمن في الإلغاء، بل في البحث عن معالجات حقيقية. وفي هذا السياق، نقترح إعادة صياغة مادة التربية الوطنية وفق الخطوات التالية:
أولاً: تشكيل لجنة وطنية عليا:
يجب تشكيل لجنة مشتركة تضم خبراء في علم الاجتماع، التاريخ، والتربية؛ وتتمثل مهمتها الأساسية في الإجابة عن سؤال مركزي: ما هو الحد الأدنى من المعارف والقيم التي ينبغي أن يشترك فيها كل مواطن ليبي؟ وذلك لتحديد أهداف التربية الوطنية في كل مرحلة تعليمية، بما يضمن تعزيز حب الوطن، وترسيخ الانتماء الصادق، والقدرة على الذود عنه.
ثانياً: تحديد مصفوفة القيم والمعارف (دور التربويين):
تحديد القيم الأخلاقية والمواطنة الفاعلة المطلوبة لكل فئة عمرية، بما يضمن انتقال الطالب من مجرد متلقٍّ للمعلومات إلى فرد مدرك لحقوقه وواجباته، متصل وجدانياً بتراب وطنه، ومستعد للبذل في سبيله.
ثالثاً: تفعيل الذاكرة الجمعية (دور المؤرخين):
هنا يأتي الدور المحوري لخبراء التاريخ لرصد الوقائع والشخصيات الوطنية التي تمثل نقاط التقاء بين الليبيين. ويهدف ذلك إلى تضمين المناهج قصصًا تعزز المشترك الثقافي والاجتماعي، مع التركيز على الرموز التاريخية التي كانت محل إجماع وطني عبر العصور، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي المعاصر.
كما لا تكتمل دائرة صياغة مناهج التربية الوطنية دون تحويلها إلى واقع ملموس يربط الطالب ببيئته وتاريخه. ولتحقيق ذلك نقترح ما يلي:
1. خارطة الزيارات الميدانية (ربط المكان بالذاكرة):
وضع جدول زمني سنوي ملزم للزيارات الميدانية إلى المتاحف، والمواقع الأثرية، والمعالم التاريخية. والهدف ليس مجرد النزهة، بل ربط الطالب ماديًا بذاكرة وطنه؛ ليرى بعينه شواهد الحضارة والتضحية، بما يعزز لديه الفخر والارتباط العميق بالأرض.
2. ممارسة المواطنة الإيجابية في الأعياد الوطنية:
تغيير نمط الاحتفال بالأعياد الوطنية من كونها مجرد عطلة رسمية إلى يوم يمارس فيه المتعلمون معنى المواطنة. وتشجيع التلاميذ والطلبة على الانخراط في أعمال تخدم المجتمع، مثل:
• حملات التشجير والنظافة: لتعزيز قيمة المسؤولية تجاه البيئة الوطنية.
• يوم العلم الوطني: لتعزيز رمزية العلم كمظلة جامعة لكل الليبيين بعيدًا عن التجاذبات.
• يوم الزي الوطني: للاحتفاء بالتنوع الثقافي بوصفه عنصر ثراء للهوية الواحدة، بما يرسخ الفخر بالمشتركات الاجتماعية.
3. البحث عن المشتركات الوطنية:
تصميم أنشطة مدرسية تهدف إلى اكتشاف الروابط التي تجمعنا، سواء كانت عادات اجتماعية مشتركة، أو قصصًا من التراث الشعبي، أو سير أبطال محليين ساهموا في بناء الوطن. ويضمن هذا النهج تحويل التربية الوطنية من مادة دراسية إلى أسلوب حياة يُنتج مواطنًا فاعلًا ومؤمنًا بوحدته الوطنية.
لضمان عدم تحوّل مقرر التربية الوطنية إلى مجرد معلومات تُحفظ لتُنسى فور انتهاء الامتحانات- خاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية- نقترح تحويل جزء جوهري من تقييم المادة إلى رصيد مشاركة مجتمعية عبر استحداث جواز سفر المواطنة، وفق التصور التالي:
1. المفهوم والآلية:
يُمنح كل طالب مع بداية العام الدراسي جواز سفر المواطنة، وهو سجل رسمي لتوثيق الأنشطة والممارسات الوطنية والتطوعية (داخل المدرسة وخارجها). وتُحتسب هذه الأعمال الميدانية كجزء أصيل من الدرجة النهائية للمقرر، وتشمل:
• المبادرات الإنسانية والمجتمعية: مثل المشاركة في حملات التبرع بالدم، وزيارة دور الرعاية والمسنين، لتعزيز قيم التكافل والرحمة.
• التوثيق والقدوة الرقمية: يُكلف الطالب بنشر تقرير أو محتوى إيجابي عن نشاطه التطوعي عبر منصات التواصل الاجتماعي الشخصية أو صفحة المدرسة (بإشراف تربوي)؛ ليكون فاعلاً ومؤثراً في محيطه الرقمي، ولتحويل العمل الوطني إلى ثقافة مجتمعية مشاعة.
• التوثيق الرسمي: يُعتمد كل نشاط بختم الجهة المستفيدة (المدرسة، جمعية خيرية، حملة تشجير.. إلخ)، مما يعزز مصداقية العمل وروح المسؤولية.
2. جائزة الطالب الفاعل :
في نهاية العام، يتم تقييم جوازات السفر بناءً على نوعية وأثر الأنشطة المسجلة لا الكم فقط. ويُتوج الطالب صاحب الرصيد الأغنى بلقب الطالب الأكثر فعالية على مستوى المدرسة أو المنطقة، مع منحه حوافز معنوية ومادية تبرز قيمة هذا المسار أمام المجتمع.
3. إعادة صياغة الموازين التربوية:
إن الهدف الجوهري هو الانتقال من الهوس بـالمهارات الكمية والدرجات المجردة، إلى التركيز الحقيقي على المنظومة القيمية والأخلاقية. فالتعليم الذي لا يُنتج مواطناً يحترم القانون ويقدر الذاكرة الجمعية، هو تعليم قاصر مهما بلغت درجاته التحصيلية.
أخيرًا، يمكن القول إن الاعتراف بوجود خلل في بناء الهوية هو أول خطوات الإصلاح. كما أن ترك هذه الثقوب السوداء دون معالجة تربوية وعملية يجعل الوطن في خطر حقيقي؛ فالخطر لا يأتي فقط من الخارج، بل من جيل قد يتخرج بشهادات علمية، لكنه يفتقد للرابط الوجداني والأخلاقي الذي يجمعه بتراب وطنه وبشركائه. وعليه، يصبح من المهم أن يكون الهدف الأسمى لمنظومة التعليم هو تخريج مواطن صالح، لا مجرد حامل شهادة. إذ تظل الشهادة- حين تكون ناقصة- غير خادمة لبناء الدولة في مراحلها الحرجة، وقد تُنتج معرفـة بلا قيم، أو مهارة بلا انتماء.
ونضع هذا السياق بمحمل الجد أمام المسؤولين في وزارة التربية والتعليم؛ فبناء الوطن عملية مستحيلة ما لم تتوفر قيم وطنية جامعة تُغرس في نفوس النشء. وإن ربط التربية الوطنية بالذاكرة الجمعية يعني تحويل المنهج الدراسي إلى مرآة يرى فيها الطالب تاريخ أجداده المشرف، ومستقبله المشترك مع شركائه في الوطن؛ وهو ما يخلق جيلاً محصنًا ضد التفتت القيمي، ومتمسكًا بهويته الجامعة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |