|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 4 / 29
سبق وأن كتبتُ محذراً، قبل سنوات، من مغبة غياب المنهجية العلمية في إعداد خطط التعليم العالي والبحث العلمي، وها نحن اليوم نواجه التساؤل الجوهري ذاته: إلى أين نتجه؟
لقد طرح الوزير السابق خطة استراتيجية لم يلامس الواقع منها شيئاً، ورغم تحفظي حينها على انفراد الوزارة بوضع الخطة - باعتبارها اختصاصاً أصيلاً للمجلس الوطني للتخطيط - إلا أن دوائر صنع القرار غالباً ما تميل للاستماع للأصوات المهيمنة بالمديح. وفي هذا الصدد يمكن الاطلاع على مقالتي بعنوان الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي في ليبيا إلى أين تتجه ؟ تم نشرها بتاريخ 3 -8 -2023.
واليوم، نجدد الطلب من السيد الوزير الحالي بضرورة ضبط بوصلة التعليم؛ فالمرحلة لم تعد تحتمل سياسة تسيير الأعمال اليومية. وبقدر إدراكنا لحجم التركة الثقيلة وجسامة المسؤولية، فإن المضي لسنوات دون وجهة واضحة هو أمرٌ لم يعد مقبولاً. لذا؛ نؤكد أننا في هذه الفترة الاستثنائية لا ننشد خططاً استراتيجية بعيدة المدى قد تظل حبيسة الأدراج، بل نحتاج إلى خطة عمل سنوية؛ واضحة المعالم، محددة بجدول زمني، وقابلة للتطوير والقياس. وفي هذا السياق، تبرز على السطح جملة من الملفات الحيوية التي تتطلب حسماً ومعالجة عاجلة، ومن أهمها:
• إن إصلاح المنظومة يبدأ من رد الاعتبار للجامعات الحكومية ومنحها استقلاليتها الكاملة (الأكاديمية والإدارية) وفقاً لصحيح القانون. إننا بحاجة لتفعيل حقيقي لـ مجالس أمناء الجامعات لتمارس دورها الرقابي والتشريعي الأصيل، وهو ما سيكفل إنهاء حالة المركزية المقيتة التي تغولت على صلاحيات المؤسسات التعليمية وسحبتها دون وجه حق، مما أعاق قدرتها على التطوير والابتكار.
• وفي ذات السياق، يجب أن تخرج مستحقات أعضاء هيئة التدريس من دائرة المِنّة لتستقر كحقوق قانونية نافذة بآليات واضحة لا تقبل التأويل، بما في ذلك إعادة الاعتبار لإجازة التفرغ العلمي بعد أن أُفرغت من مضمونها؛ لتكون جسراً حقيقياً للتبادل المعرفي والبحثي مع المراكز والجامعات الدولية، بدلاً من كونها مجرد إجراء ورقي لا يضيف للبحث العلمي شيئاً. كما يتطلب الأمر الالتزام الصارم باللوائح المنظمة لتعيين أعضاء هيئة التدريس انطلاقاً من الأقسام العلمية، بعيداً عن الأهواء الشخصية أو ضغوط المحاصصة والمستشارين.
• إن مشروع الرقم الجامعي الموحد الذي قُدّم للوزارة عام 2021 لم يُنفذ بالرؤية التي أُطلق من أجلها؛ فتقزيمه ليصبح مجرد رقم أكاديمي أفرغه من جوهره الاستراتيجي. إن الهدف كان إيجاد آلية ضبط رقمية شاملة تشمل أعضاء هيئة التدريس، والطلاب، والموظفين، والفنيين في القطاعين العام والخاص على حد سواء. فهذا الرقم هو الضمانة الوحيدة لضبط فوضى الجامعات الخاصة التي استشرت وتجاوزت المئة جامعة، وهو الكفيل بضمان تسلسل أكاديمي صحيح يمنع تخرج أي طالب قبل استيفاء المدد القانونية المقررة.
• من الضروري إنهاء حالة التداخل في المهام عبر إرجاع ملفات المجلات العلمية والمؤتمرات إلى عهدة الهيئة الليبية للبحث العلمي، باعتبار ذلك اختصاصها الأصيل. لقد سبق وأن انتقدتُ قرار الوزارة بتشكيل لجنة مناظرة للجنة الهيئة في مقال بعنوان (الفخر الزائف)، وأكدتُ حينها للمسؤولين عدم قانونية هذا الإجراء، مفضلاً الإعفاء من المهام على التماهي مع قرارات مغلوطة تكرس الازدواجية المؤسسية.
• لقد أدى التزايد غير المدروس في أعداد الجامعات الخاصة، في ظل غياب ضوابط حقيقية، إلى إلقاء عبء ثقيل على المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية، ، وهو ما يستوجب إعادة تحديد آليات عمل المركز بدقة لضمان قدرته على الرقابة الفعلية لا الشكليّة فقط. وفي هذا السياق يمكن الرجوع إلى مقالتي بعنوان ( إعادة هيكلية التعليم العالي الخاصة في ليبيا - الإكراهات ومقترحات التحسين)
• لا تزال كليات التربية تائهة في نفق مظلم؛ خاصة بعد تشويه مخرجات اللجنة المكلفة بصياغة لائحتها الخاصة، حيث صدر نص نهائي مشوه نتيجة تدخلات غير فنية أجهضت الجهود العلمية المبذولة. وبالتوازي مع ذلك، نرى انتشاراً غير منضبط لبرامج الدراسات العليا في الجامعات الخاصة والمفتوحة، مما يتطلب تفعيلاً فورياً للجنة الوطنية للدراسات العليا، ومنحها استقلالية تامة تمكنها من العمل بعيداً عن أية ضغوطات قبلية أو سياسية أو إدارية.
إن الأمر بحاجة إلى تجديد جذري وشجاعة في اتخاذ القرار، لضمان ألا تظل مؤسساتنا التعليمية تراوح مكانها بينما يتحرك العالم من حولنا. إننا بحاجة إلى بوصلة تقودنا للنجاة بالعام الدراسي الحالي وتأسيس لبنة صلبة للعام القادم، بدلاً من الغرق في أحلام استراتيجية لا تجد طريقاً للتنفيذ.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |