|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 4 / 27
الجسد الأنثوي في فخ الاستلاب: نحو مفاهيم إدراكية للجمال والشهوة.
بقلم: د. أحمد كانون
لا يزال الجسد الأنثوي، في تمفصلاته التاريخية والثقافية، يشكل بؤرةً لتوترٍ أنطولوجي عميق؛ توترٌ تتصادم فيه حتمية البيولوجيا مع سيولة الثقافة. إن مأزقنا المعاصر لا يكمن في اكتشافنا المفاجئ لقوة الغريزة، بل في عجز أدواتنا الإدراكية عن تفكيك الاشتباك الملتبس بين "الجمال" بوصفه تجلياً للتناغم الأبولوني الداعي للتأمل والسكينة، و"الإثارة" بوصفها تدفقاً ديونيسياً للطاقة والرغبة. هذا الخلط، الذي تُذكيه آليات الرأسمالية المتوحشة، أنتج عمىً ثقافياً يطمس الحدود بين ما يُبهج الروح وما يستفز الغريزة، محولاً الاثنين معاً إلى مجرد "مواد استهلاكية".
لفهم هذا المأزق، يجب ألا ننظر إلى الجمال والإثارة كمعطيات خام، بل كنتاج لتفاعل معقد بين البنى العصبية القديمة والنسق الرمزية التي يبتكرها الإنسان. وقد اجتهدت المجتمعات البشرية عبر تاريخها في ابتكار "اقتصاديات رمزية" لإدارة هذا التوتر المزدوج، تجلت في نماذج متوالية:
في النموذج القبلي، لم يكن الجسد مساحة للعرض المجاني، بل كان لوحةً تُقرأ عبرها دلالات الانتماء والعبور، حيث يندمج الجمالي بالوظيفي وتؤطر الطقوسُ الغريزةَ وتمنع انحرافها. وفي النموذج الزراعي، خضع الجسد الأنثوي لمنطق الفاعلية والإنجاب؛ فرُمّزت الإثارة وأُجّلت لصالح استدامة الروابط الاجتماعية الممتدة، ورغم قسوة هذا النمط الأبوي أحياناً، إلا أنه حافظ على وظيفة الجسد بعيداً عن التشظي. أما مع ظهور المرأة المدنية في مرحلة ما قبل العولمة، فقد برز الجسد كفضاء لبناء الذات وتأكيد الذوق الفردي؛ إثارة مُثقفة تتوسل الإيحاء، وجمال يحاور الوعي ولا يقتحمه.
ثم حلت القطيعة الراديكالية مع عولمة الاستهلاك الرقمي. هنا، جُرد الجسد الأنثوي من حمولته الرمزية وتاريخه الذاتي، ليُعاد تدويره كسطح ثنائي الأبعاد، يُقاس بخوارزميات التفاعل وأرقام المتابعين. في هذا الفضاء، نُفيت السكينة الأبولونية تماماً، وتم تسليع الطاقة الديونيسية وتحويلها إلى "محفزات إثارة" دائمة ومفرغة من أي تواصل إنساني حقيقي. النتيجة الحتمية لهذا التشوه هي اغتراب شامل: ذكورة تُستنزف في مطاردة الوهم البصري، وأنوثة تُستلب في صراع سيزيفي مع الزمن ومقاييس الفلاتر الرقمية لتحقيق خلود مزيف.
إن الخروج من هذه العدمية الاستهلاكية لا يكون بالنكوص الرومانسي نحو الماضي، بل بتأسيس "وعي مضاد". وعيٌ يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والإدراكية في إعادة تعريف الجسد الأنثوي، لا كتهديد يجب حجبه، ولا كسلعة تُهدر في سوق الانتباه، بل ككينونة إنسانية مركبة. هذا يتطلب منا شجاعةً في التمييز: أن نحرر الجمال من قبضة الاستثارة الآنية ليعود ملاذاً للروح، وأن نعترف بحيوية الإثارة كحق أصيل في التجربة الإنسانية دون أن نتركها تلتهم كامل المشهد الإدراكي. إن القدرة على إدراك التقاطع المتسامي بين ما هو جميل وما هو مثير، خارج منطق السلعة، هي فعل مقاومة يومي، يحرر النظرة، ويستعيد للإنسان—رجلاً كان أو امرأة—سيادته المفقودة على جسده ووعيه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |